« أفعل » لا يدخل إلّا بين شيئين قد اشتركا في الصفة ، وزاد أحدهما فيها على الآخر ؛ ولهذا لا يقول أحد : إن العسل أحلى من الخلّ ؛ ولا إن النبيّ عليه السلام أفضل من إبليس ؛ والعمل إذا عرى من نية لا خير فيه ، ولا ثواب عليه ؛ فكيف تفضّل النية الجميلة عليه ؛ وفيها خير وثواب على كل حال .
قال : والوجه الآخر أن تكون نية المؤمن في الجميل خير من عمله الّذي هو معصيته .
فقلت : وهذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأوّل ، لأن المعصية لا خير فيها فيفضل غيرها عليها فيه .
وقالت الحضرة السامية العادلة المنصورة - أدام اللّه دولتها - تحقيقا لذلك وتصديقا : هذا هجو لنية المؤمن ، والكلام موضوع على مدحها وإطرائها ، وأيّ فضل في أن تكون خيرا من المعاصي ، وإنّما الفضل أن تكون خيرا ممّا فيه خير !
فسئلت حينئذ ذكر الوجه الّذي عندي فقلت : لا تحمل لفظة « خير » في الخبر على معنى « أفعل » الّذي هو للتفضيل والترجيح وقد سقطت الشبهة ، ويكون معنى الكلام : إن نية المؤمن من جملة الخير من أعماله ؛ حتى لا يقدّر مقدّر أن النية لا يدخلها الخير والشر ؛ كما يدخل ذلك في الأعمال . فاستحسن هذا الوجه الّذي لا يحوج إلى التعسّف والتكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة « خير » معناها معنى « أفعل » ؛ وانقطع الكلام لدخول الوقت السّعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية - أدام اللّه سلطانها - للركوب .
وكان في نفسي أن أذكر شواهد لهذا الوجه ولواحق يقتضيها الكلام ، وخطر بعد ذلك ببالي وجهان سليمان من الطّعن إذا حملنا لفظة الخير في الخبر على الترجيح والتفضيل ؛ وأنا أذكر ذلك :
أمّا شاهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة « خير » على غير معنى التفضيل والترجيح فكثير ؛ وقد ذكرت في كتابي المعروف « بالغرر » عند كلامي في قوله تعالى :
أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 316
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣١٦