تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
فأما قول القائل : ضربته ضربا ، وما أشبه ذلك من ذكر المصادر مع الأفعال وفي ذكر الأفعال من غير ذكر المصادر لدلالتها عليها فله وجهان : أحدهما أن يكون نفى صفة الضرب اختصارا ؛ وأراد ضربا شديدا مبرّحا ، فحذف ؛ أو يكون أراد أنّه باشر الضّرب وتولّاه ؛ لا أنّه أمر به ؛ فقد يقال : ضربه إذا أمر بضربه ؛ ولا يكادون يقولون : ضربه ضربا إذا أمر بضربه ، ولم يباشره . فأما قول العرب : « لأمر ما جدع قصير أنفه » ، وقولهم : « لأمر ما يسوّد من يسود » ، وادعاء من ادّعى أن « ما » هنا زائدة لا معنى تحتها وإنّما دخلت للتأكيد ؛ فالأولى غير ما ذكره ؛ ومعنى قولهم : لأمر ما كان كذا أنّه لأمر لست به عارفا ؛ لأنهم لا يكادون يقولون : لأمر ما كان كذا وكذا وأنا به عارف ؛ وإن جاز أن يقولوا : لأمر كان كذا وأنا به عارف ؛ وإنّما قالت الزباء : « لأمر ما جدع قصير أنفه » ؛ لأنّها كانت جاهلة بسبب قطع أنفه ، وغير عالمة به ؛ وهذا يبطل قول من جعلها زائدة بغير فائدة . فأما قوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
؛ [ آل عمران : 159 ] وتقدير قوم أن « ما » هاهنا زائدة فليس الأمر على ما ظنّوه ؛ لأن من شأنهم ألا يدخلوا « ما » هاهنا إلّا إذا أرادوا الاختصاص وزيادة فائدة على قولهم : فبرحمة من اللّه لنت لهم ؛ لأنّ مع إسقاط « ما » يجوز أن تكون الرحمة سببا للّين وغيرها رقة ، ولا يكادون يدخلونها مع « ما » إلا والمراد أنّها سببه دون غيرها ، فقد أفادت اختصاصا لم يستفد قبل دخولها . فأما قولهم : « ما إن في الدار زيد » ، فيشبه أن يكون دخولها لفائدة تزيد على قولهم : « ما في الدار زيد » ؛ لأنهم إذا قالوا : « ما في الدار زيد » جاز أن يريدوا أنّه لا تصرّف له في الدار ولا تأثير لكونه فيها ؛ فكأنّه ليس حالّا فيها ؛ لأنهم أبدا يقولون : ما في هذه البلدة أمير ؛ ولا لهذا الناس مدبّر ؛ يريدون السياسة والتدبير . فإذا قالوا : « ما إن في الدار زيد » ، أو « ما إن للبلد أمير » فلا بدّ أن يريدوا : أنه ليس فيها على الحقيقة من ذكروه ؛ وهذا هو معنى قول أهل العربية : إن ذلك للتأكيد ؛ ومعنى التأكيد هو الّذي أشرنا إليه ؛ لأنّ التأكيد لا يجوز أن يكون لغير فائدة ، وأن يكون دخوله كخروجه .
أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 313 | الشريف المرتضى / محمد ابوالفضل ابراهيم / محمد أبو الفضل إبراهيم