والمعنى امتلأ حتّى لو كان ممن يقول لقال ذلك ، وهذا أولى في نفسي من تفسيرهم هذا البيت بأنّه ظهرت منه أمارات القول والنطق .
وهذا الّذي أشرنا إليه هو معنى كلّ ما جرى مجرى هذا البيت ؛ من قول الشاعر « 1 » :
وأجهشت للتّوباذ حين رأيته * وكبّر للرّحمن حين رآني « 2 »
فقلت له : أين الذين عهدتهم * بجنبك في خفض وطيب زمان !
فقال : مضوا ، واستودعوني بلادهم * ومن ذا الّذي يبقى على الحدثان ! « 3 »
ومن المحذوف أيضا قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
؛ [ الزمر : 73 ] ؛ ولم يأت لإذا جواب في طول الكلام ، وإنّما حسن حذف الجواب الّذي هو : « فدخلوها » لورود ما يقوم مقامه ؛ ويدلّ عليه من قوله تعالى :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ
؛ [ الزمر : 74 ] وذلك لا يكون إلّا بعد الدخول ؛ ومثل ذلك قول امرئ القيس :
فلو أنّها نفس تموت سويّة * ولكنّها نفس تساقط أنفسا « 4 »
فحذف جواب ، « لو » والجواب هو : « لكان ذلك أروح لها وأخفّ عليها » ؛ ومثله قول الهذلىّ « 5 » .
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا « 6 »
ومثل هذا كله في الحذف : إنّما أتمنى كذا لو أعطيته ؛ وظاهر هذا الكلام كأنّه مشروط وكأنّه قال : إنني أتمناه إذا أعطيته ؛ والأمر بالضّد من ذلك ؛ والمعنى : لو أعطيته لبلغت مناي ، ولنفعنى ؛ وما أشبه ذلك المعنى .
هامش
( 1 ) هو المجنون . الأغانى 1 : 179 .
( 2 ) التوباذ : جبل في نجد ؛ والأبيات أيضا في معجم البلدان ( 2 : 424 ) من غير عزو .
( 3 ) بعدها في معجم البلدان والأغانى :وإنّي لأبكى اليوم من حذرى غدا * فراقك والحيان مختلفان. ( 4 ) ديوانه : 142 ؛ وقوله : « تساقط ، أي يموت بموتها بشر كثير .
( 5 ) هو عبد مناف بن ربع الهذلي ؛ ديوان الهذليين 2 : 42 .
( 6 ) قتائدة : موضع ، والجمالة : أصحاب الجمال . وانظر الجزء الأول ص 3 .