تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
والشعر القديم والمحدث مملوء من ذلك ، قال البحترىّ :
ولو شئت يوم الجزع بلّ غليله * محبّ بوصل منك لو ينفع الوصل « 1 »
وإنّما أراد : لو ينفع الوصل لنفعنى وبلغني منيتي ؛ وما أشبه ذلك ؛ ومثله قوله :
وتعجبت من لوعتى فتبسمت * عن واضحات لو لثمن عذاب
وأنت إذا تأملت ضروب المجازات التي يتصرف فيها أهل اللسان في منظومهم ومنثورهم وجدتها كلّها مبنية على الحذف والاختصار ؛ ولأن قوله تعالى :
وَجاءَ رَبُّكَ
؛ [ الفجر : 22 ] ؛
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
؛ [ يوسف : 82 ] مما الحذف فيه ظاهر . وإنّما كان الكلام أبلغ وأفصح ؛ لأن كلامه قلّل بحذف بعضه ومعانيه بحالها ؛ وكذلك قولهم في المدح : فلان البدر ، والبحر ، واللّيث ؛ وفي الذم : هو الحمار ، والحائط ؛ إنّما هو مبنىّ على الحذف ، لأن المراد هو مشبه ومماثل لما ذكر ؛ فأسقط من الكلام ما يقتضي التشبيه ؛ لدلالة القول عليه . فإن قيل : فإذا كانت الفصاحة هي الاختصار ، فكيف قال تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ؛ فزاد الكاف ؛ ولا معنى لها إلّا الفصاحة ؛ فقد صارت الفصاحة بالزيادة كما كانت بالنقصان ! قلنا : دخول الكاف هاهنا ليست على سبيل الزيادة التي لو طرحت لما تغيّر المعنى ؛ بل تفيد بدخولها ما لا يستفاد مع خروجها ؛ لأنّه إذا قال : « ليس مثله شيء » جاز أن يراد من بعض الوجوه ، وعلى بعض الأحوال ؛ فإذا دخلت الكاف فهم نفى المثل على كل وجه ؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال : ليس كمثله أحد في كذا بل على الإطلاق والعموم . وبمثل هذا الجواب نجيب من يسأل عن قولهم : ما إن في الدار زيد ؛ لأنّه لو قال : ما في الدار زيد لجاز أن يكون نفيه لكونه فيها على وجه دون وجه ؛ فإذا قال : « ما إن » فهم نفى كونه على كل حال ؛ وهذا يدلّ على أنّها مفيدة غير زائدة .
هامش
( 1 ) ديوانه : 2 : 163 .