تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢

مسألة [ في الاستدلال على نفى الرؤية بالأبصار ]

قال الشّريف المرتضى رضي اللّه عنه : اعلم أن أصحابنا لمّا استدلّوا على نفى الرؤية بالأبصار عن اللّه تعالى بقوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الأنعام : 103 ] ، وبينوا أنّه تعالى تمدّح بنفي الإدراك « 1 » الّذي هو رؤية البصر عن نفسه على وجه يرجع إلى ذاته ؛ فيجب أن يكون في ثبوت الرؤية له في وقت من الأوقات نقص وذمّ . قال لهم مخالفوهم : كيف يتمدّح بأنّه لا يرى ، وقد يشاركه في نفى الرؤية ما ليس بممدوح ؛ كالمعدومات والإرادات والاعتقادات ؟ فقالوا لهم : لم يتمدّح تعالى بنفي الرؤية فقط ، وإنّما تمدّح بنفي الرؤية عنه وإثباتها له ، فتمدّحه بمجموع « 2 » الأمرين ؛ وليس يشاركه في هاتين الصفتين مشارك ؛ لأن الموجودات المحدثات على ضروب ؛ منها ما لا يرى ولا يرى كالإرادات والاعتقادات ، ومنها ما يرى ولا يرى كالألوان ، ومنها ما يرى ويرى كالإنسان وضروب الأحياء ؛ وليس فيها ما يرى ولا يرى ؛ فثبتت المدحة للّه تعالى بمتضمّن الآية . فقال لهم المخالفون : وكيف / يجوز أن تكون صفة لا تقتضى المدحة بانفرادها ، ثم تصير تقتضيها مع غيرها ! ولئن جاز هذا ليجوزنّ أن يتمدّح متمدح بأنّه شيء عالم ، أو موجود قادر ؛ فإذا كان لا مدحة في وصف الذات بأنها شيء وموجودة « 3 » ، وإن انضمّت إلى صفة مدح من حيث كانت بانفرادها لا تقتضى مدحا ، فكذلك لا مدحة في نفى الرؤية عمّن ثبتت « 4 » له ، من حيث كانت بانفرادها لا تقتضى مدحا . فأجاب أصحابنا عن هذا الكلام بأن قالوا : ليس يمتنع في الصّفة أن تكون لا تقتضى مدحا إذا انفردت ، وتقتضيه إذا انضمت إلى غيرها ، ومثّلوا ذلك بقوله تعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] . وإنّ نفى السّنة والنّوم هاهنا إنّما يكون مدحا إذا انتفى عمّن هو بصفة الأحياء ، وإن كان بانفراده لا يقتضي مدحا لمشاركة ذوات كثيرة غير
هامش
( 1 ) ت : « بنفي إدراك البصر » . ( 2 ) ت : « جميع » ؛ وفي حاشيتها ( من نسخة ) : « فتمدح بمجموع الأمرين » . ( 3 ) د ، ونسخة بحواشى الأصل ، ت ، ف : « بأنها شيء موجود » . ( 4 ) ش : « تثبت » .