وفي غير صورة المشورة لا يجوز لهم التقدّم ، فأباح لهم القول في جواب الاستشارة ، وزجرهم عن الابتداء بالمشورة وغيرها ، ويدخل في ذلك الاعتراض على ما يراه بطريق الأولى ، ويستفاد من ذلك أنّ أمره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا ثبت لم يكن لأحد أن يخالفه ولا يتحيل في مخالفته ، بل يجعله الأصل الذي يرد إليه ما خالفه لا بالعكس كما يفعل بعض المقلدين ، ويغفل عن قوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
« 1 » » « 2 » إنتهى .
فظهر ! أنّ أمر عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بحجب النساء كان تقدما منهيا عنه ، وإرتكابا لما زجره اللّه تعالى عنه ، وجسارة على ما لا يجوز ، فإنّه صرّح ابن حجر في غير صورة استشارة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يجوز التقدم عليه ، وإنّ اللّه زجر عن الابتداء بالمشورة وغيرها .
وثانيا : فلأنّ قول البخاري : ( كان يقول للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحجب نساءك ، فلم يكن رسول اللّه يفعل ) ، يدلّ صريح على أنّ هذا التقدم القبيح الغير الجائز على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقع من عمر مرّة بعد أخرى وكرّة بعد أولى ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يصغ لكلامه ولم يعمل بمقاله ، فلو كان يصدّر منه مجرّد الأمر بالحجب مرّة ثمّ الامساك عنه ، لكان لهم أن يأوّلوا فعله ، ويخترعوا له وجوها فاسدة وتأويلات كاسدة ، مع نصّ ابن حجر بمنع التقدم بين يديه مطلقا .
ولكن ما يفعلون بهذا الإصرار والاستبداد والوقاحة والجلاعة من عمر ، حيث لا يصغي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لكلامه ، ولا يستحيل مقاله ، ولا يقبل أمره ، ولا يعمل
هامش
( 1 ) النور الآية : 63 .
( 2 ) فتح الباري للعسقلاني : 15 / 285 كتاب الاعتصام .