أتباعه وأشياعه من أهل البيت الكرام والصحابة العظام ، فإنّهم كانوا لأبي الفصيل غير محبّين ، بل كانوا على بغضه وشنانه ملبّين ، كما أثبتنا ذلك في مصنفاتنا ، بتقريرات شافية صحيحة ، وتبيانات كافية صريحة ، وإنّما خصصنا بالذكر سعد ابن عبادة ، لأنّ بغضه وعناده لصاحب الخلافة والزهادة أوضح ظهورا ، وأبيّن شهرة ، تقرّبه فضلائهم وثقاتهم الموصوفون بالنقد والخبرة .
وهذا المحبّ الطبري نفسه روى في كتابه هذا الرياض النضرة ، في ذكر بيعة أبي بكر وما يتعلّق بها :
« قال أبو عبيد في كتاب الأحداث : بايع أبا بكر جميع الأنصار غير سعد ابن عبادة ، وقد كانت الأنصار أرادت أن تجعل البيعة له ، فقال عمر : لا ندعه حتى يبايع ، فقال بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير ، وكان أوّل من صفق بيد أبي بكر - ولعلّه أراد من الأنصار توفيقا بينه وبين حديث ابن عباس في أن أوّل من بايع عمرا ثمّ المهاجرون ، ثمّ الأنصار - إنّه ليس بمبايعكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته ، فإن تركتموه فليس تركه بضائركم إنّما هو واحد ، فقبل أبو بكر نصيحة بشير ومشورته ، فكف عن سعد ؛ قال : وكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يصوم بصيامهم ، وإذا حجّ لم يفضّ بإفاضتهم ، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر ، فلم يلبث إلّا يسيرا حتى خرج مجاهدا إلى الشام ، فمات بحوران في أوّل خلافه عمر ، ولم يبايع أحدا ؛ وهذا لا يقدح فيما تقدّم ذكره من دعوى الإجماع ، بل نقول : خلاف الواحد مع ظهور العناد والحميّة الجاهليّة لا يعدّ خلافا ينتقض به الإجماع ، واللّه أعلم » « 1 » .
هامش
( 1 ) الرياض النضرة للطبري : 2 / 216 .