واما القراءة فوظائفها لا تكاد تحصى لأنها حكاية كلام اللّه جل شأنه المشتمل على الحكم العجيبة والأساليب الغريبة وليس المقصود منه مجرد حركة اللسان بل المقصود معانيها ليستفيد منها حكمة ودقلئق وحقائق وسرارا وترغيبا ووعدا ووعيدا فإذا قلت أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك مترصد لصرف قلبك حسدا لك على المناجاة وعلى سجودك له مع أنه لعن على سجدة واحدة وان استعاذتك باللّه منه انما يكون بترك ما يحبه وتبديله بما يحب اللّه تعالى لا بمجرد قولك أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم فان من قصده عدو أو سبع ليفترسه فقال أعوذ منك بذلك الحصن وهو ثابت في مكانه ان ذلك لا ينفعه بل لا يفيده الا تبديل المكان فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محل الشياطين ومكاره الرحمن فلا يعينه مجرد القول فليقرن قوله بالعزم على التعوذ بحصن اللّه تعالى عن شر الشيطان وحصنه لا اله الا اللّه إذ قال تعالى فيما اخبر عنه نبينا لا اله الا اللّه حصني والمتحصن به من لا يعبد الها سوى اللّه تعالى فاما من اتخذ الهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن اللّه تعالى .
ومن دقائق مكائده ان يشغلك في الصلاة بفكر الآخرة وتدبر فعل الخيرات ليمنعك عن فهم معاني ما تقرأ فاعلم أن كل ما شغلك عن فهم معاني فرائتك فهو وسواس فان حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها كما مر والناس في القراءة ثلاثة أقسام فمنهم من يتحرك لسانه ولا يتدبر قلبه لها وهذا من الخاسرين الداخلين في توبيخ اللّه تعالى وهد يده بقوله أفلا يتدبرون القرآن أم علوب اقفالها ودعاء نبيه صلّى اللّه عليه وآله بقوله ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لا يتدبرها ومنهم من يحترك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيستمع ويفهم منه كأنه يسمعه من غيره وهذه درجة أصحاب اليمين ومنهم من يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم اللسان قلبه فيترجمه وهذه درجة المقربين وفرق جليّ بين ان يكون ( اللسان خ ) الانسان ترجمان القلب كما في هذه الدرجة وبين ان يكون معلمه كما في الدرجة الثانية ، فالمقربون ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب .
ومن وظائف القراءة قول الصادق عليه السّلام من قرأ القرآن ولم يخضع له ولم يرّق قلبه ولم ينشر حزنا ووجلا في سره فقد استهان بعظم شأن اللّه وخسر خسرانا مبينا وتفصيل ترجمة المعاني اختصارا انك إذا قلت بسم اللّه الرحمن الرحيم فانو به التبرك لابتداء القراءة بكلام اللّه تعالى وافهم ان معناه الأمور كلها باللّه وان المراد هيهنا بالاسم هو المسمى فإذا كانت الأمور كلها باللّه فلا جرم كان الحمد للّه فإذا قلت الرحمن الرحيم فاحضرني في قلبك أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فيبعث به رجاؤك ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف بقولك مالك يوم الدين اما العظمة فلأنه لا مالك ( ملك خ ) الا له ، واما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب
الأنوار النعمانية — صفحة 244
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص٢٤٤