تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار النعمانية — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
العبادة عند قصدها التقي ابن طاووس والذي يفهم من الاخبار واليه ذهب جماعة من المتأخرين هو صحة الصلاة عند قصد هذه الغايات كلها سوى الريا وذلك ان الكتاب والسنة قد اشتملا على المرهبات من الحدود والتعزيرات والذم والايعاد بالعقوبات وعلى الرغبات من المدح والثناء في العاجل والجنة ونعيمها في الاجل وقد فصل نعيم الجنة إلى الشراب وحور العين والولدان والثمار إلى غير ذلك لعلمه سبحانه باختلاف طبايع العباد ورغباتهم فرغّب في طاعته كل جماعة بنوع من الأنواع . واما الحياء فغرض مقصود وقد جاء في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وآله استحيوا من اللّه سبحانه حق الحياء اعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك فإنه إذا تخيّل الرؤية انبعث على الحياء والتعظيم والمهابة وعن أمير المؤمنين عليه السّلام وقد قال له ذعلب اليماني بالذال المعجمة المكسورة والعين المعملة الساكنة واللام المكسورة هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السّلام لا اعبد من لا أرى فقال وكيف تراه ؟ قال لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان . فلو لم تكن هذه الموهبات والرغبات دواعي صحيحة وبواعث صريحة لما ذكرت في مقام طلب الطاعات وأيضا فان إرادة الثواب والخلاص من العقاب لا ينفيان الغاية الأخيرة بل هما في التحقيق راجعان إليها في حقنا مع أن مشائخنا قدس اللّه أرواحهم رووا في الحسن عن الصادق عليه السّلام أنه قال العبّاد ثلاثة قوم عبدوا اللّه عز وجل خوفا من العقاب فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا اللّه تبارك وتعالى طلبا للثواب فتلك عبادة الاجراء ، وقوم عبدوا اللّه تبارك وتعالى حبا له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة فان افعل التفضيل يقتضي المشاركة في أصل الفعل مع أن قول أمير المؤمنين عليه السّلام ما عبدتك خوفا من نارك الحديث مما قد تمدّح به عليه السّلام وامتاز به عن الناس فكيف وانّى لغيره هذه الدرجة الرفيعة والحالة المنيعة . والقول باللسان لا يغني من جوع وانما الأصل ان يكون ذلك القصد من الأحوال الذاتية للانسان حال الاقبال على العبادة وأيضا فقد روى في الحديث المشهور عنه صلّى اللّه عليه وآله من بلغه شيء من الثواب على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وان لم يكن الحديث كما بلغه فإنه يعطي بظاهره ان ذلك العمل المثاب عليه انما يقصد الثواب وبالجملة فكل ما جعله الشارع غاية للفعل كان قصده غير مناف للاخلاص والقربة وحينئذ فما ورد من أن بعض الصلوات لجلب الارزاق وبعضها لقضاء الدين وبعضها للأولاد إلى غير ذلك من الغايات الدنيوية يجوز فعلها بقصد هذه الغايات .