من مكان قريب والقيام إلى الصلاة شبيه بقيام الخلائق كما قال اللّه تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ورفع الأيدي إلى التكبيرة الأولى شبيه برفع اليد لاخذ الكتاب يوم القيامة ، والقراءة في الصلاة شبيهة بقراءة الكتب بين يدي رب العالمين كما قال اللّه تعالى إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، والركوع شبيه بركوع الخلائق لرب العالمين كما قال اللّه تعالى وعنت الوجوه للحي القيوم والسجود شبيه بالسجود لرب العالمين كما قال عز ذكره يوم يكشف عن شاق ويدعون إلى السجود والتشهد شبيه بالجثو بين يدي رب العالمين كما قال عز ذكره فريق في الجنة وفريق في السعير ، وتفسير اللّه أكبر انه أكبر من كل شيء أو من أن يدرك بالحواس وفي الروايات معناه أكبر من أن يوصف فليكن قلبك موافقا للسانك ولا تجعل أحدا شريكا له في العبادة بان يكون ملحوظك في الصلاة معه كما في حالات الرياء .
قال الصادق عليه السّلام إذا كبرت فاستصغر ما بين العلا والثرى دون كبريائه فان اللّه تعالى إذا اطلع على قلب العبد وهو يكبر وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره قال يا كاذب أتخدعني ؟
وعزتي وجلالي لأحرمنك حلاوة ذكري ، ولا حجبنك عن قربي والمسارّة بمناجاتي فاعتبر قلبك حين صلاتك فان كنت تجد حلاوتها وفي نفسك سرورها وبهجتها وقلبك مسرورا بمناجاته ملتذا بمخاطباته فاعلم أنه قد صدّقك في تكبيرك والا فاعرف منه سلب لذة المناجاة وحرمان حلاوة العبادة فهذا دليل على تكذيب اللّه تعالى لك وطردك عن بابه نعوذ باللّه من ذلك .
واما دعاء التوجه فأول كلماته وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا قال شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه ليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك انما وجهته إلى جهة القبلة واللّه سبحانه تقدس عن أن تحدّه الجهات حتى تقبل بدنك عليه انما وجه القلب هو الذي يتوجه إلى اللّه فاطر السماوات والأرض فانظر إلى وجه قلبك أمتوجه هو إلى امانيّه وهممه في البيت والسوق وغيرهما متّبع للشهوات أم مقبل على فاطر السماوات وإياك أن تكون مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاف فيصرف وجه رحمتك عنك ولن ينصرف الوجه إلى اللّه الا بالانصراف عمّن سواه فان القلب بمنزلة مرآة وجهها صقيل وظهرها كمد لا يقبل انطباع الصور فإذا توجهت إلى شيء انطبع فيها واستدبرت غيره لا يمكن انطباعه ولهذا كانت الدنيا والآخرة ضرتين كلما قربت من إحديهما بعدت عن الأخرى فاجتهد في الحال في صرفه اليه وان عجزت عنه على الدوام ليكن قولك في الحال صادقا عسى ان يسامحك في الغفلة بعد ذلك .
وإذا قلت حنيفا مسلما فينبغي ان تحضر في بالك ان المسلم هو الذي سلم المسلمون من يده ولسانه ، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد ان تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال .
الأنوار النعمانية — صفحة 238
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص٢٣٨