تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار النعمانية — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
ولنشرع الان في اسرار الطهارة فنقول إذا توضأ الانسان للصلاة ينبغي ان يستحضر في قلبه ان اللّه سبحانه امره بغسل هذه الأطراف الظاهرة وتنظيفها لاطلاع الناس عليها ولمباشرتها لأمور الدنيوية فلأن يطهر قلبه الذي هو محل اطلاع الخالق بالطريق الأولى قال عليه السّلام ان اللّه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ولأنه الرئيس الأعظم لهذه الجوارح ، والمستخدم لها في الأمور المقربة إلى جانب القدس فيكون في الامر بغسل الظاهر برهانا على الامر بغسل الباطن فأمر في الوضوء بغسل الوجه لان التوجه في الاقبال بوجه القلب على اللّه تعالى به وفيه أكثر الحواس الظاهرة التي هي أعظم الأسباب فأمر بغسله ليتوجه به وهو خال من تلك الأدناس ويترقى بذلك إلى تطهير ما هو الركن الأعظم في القياس ثم امر بغسل اليدين لمباشرتها أكثر أحوال الدنيا الدنية ثم بمسح الرأس لان فيه القوة المفكرة التي يحصل بواسطتها القصد إلى تناول المرادات ثم بمسح الرجلين لان بهما يتوصل إلى مطالبه ويتوسل إلى تحصيل مآربه . وامر في الغسل بغسل جميع البشرة لان أدنى حالات الانسان وأشدها تعلقا بالشهوات حالة الجماع وموجبات الغسل ولميع بدنه مدخل في تلك الحالة ولهذا قال صلّى اللّه عليه وآله ان تحت كل شعرة جنابة فكان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العليّة منغمسا في اللذات الدنية كان غسله اجمع من أهم المطالب الشرعية ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة والدخول في العبادة المنيفة ولما كان للقلب من ذلك الحظّ الأوفر والنصبي الأكمل كان الاشتغال بتطهيره من الرذائل والتوجهات المانعة من ذلك الفضائل أولى من تطهير تلك الأعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل قال مولينا أمير المؤمنين عليه السّلام لا تجوز صلاة امرء حتى يطهر خمس جوارحه الوجه واليدين والرأس والرجلين بالماء القلب بالتوبة وكان الحسين عليه السّلام إذا توضأ تغيّر لونه وارتعد مفاصله فقيل له في ذلك فقال حق لمن وقف بين يدي الملك الجبار ان يصفّر لونه وترتعد مفاصله . وامر في التيمم بمسح الأعضاء بالتراب عند تعذر غسلها بالماء الطهور وضعا لتلك الأعضاء الرئيسة وهضما لها بتقليها بأثر التربة الخسيسة وهكذا يخطر ان القلب إذا لم يمكن تطهيره من الاخلاق الرذيلة وتحليته بالأوصاف الجميلة فليقمه في مقام الهضم والازراء ويسقه بسياط الذل والاغضا عسى يرحمه مولاه وفي الروايات ان جماعة من اليهود سألوا النبي صلّى اللّه عليه وآله لأي علة توضى هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في الجسد ؟ قال النبي صلّى اللّه عليه وآله لما ان وسوس الشيطان إلى آدم صلّى اللّه عليه وآله دنى من الشجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه ثم قام ومشى إليها وهي أول قدم مشت إلى الخطيئة ثم تناول بيده منها ما عليها فأكل فطار الحلي والحلل عن جسده فوضع آدم يده على أم رأسه وبكى فلما تاب اللّه عز وجل عليه فرض عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح الأربع فأمره اللّه عز وجل بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة وامره بغسل