تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار النعمانية — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
المقام بين يدي اللّه تعالى وهول المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عمّا يهمه فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت اليه خاطره فهذا طريق تسكين الافكار . فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه الا المسهل الذي يقمع مادة الداء من اعماق العروق وهو ان ينظر في الأمور الشاغلة الصارفة له عن احضار القلب ولا شك انها تعود إلى مهماته وانها انما صارت مهمات بشهواته فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع العلائق وكل ما يشغله عن صلاته فهو ضدّ دينه وجند إبليس عدوه فامساكه اضرّ عليه من اخراجه فيتخلص عنه باخراجه وقد روى أن بعضهم صلّى في حائط له فيه شجر فأعجبه ريش طائر في الشجر يلتمس مخرجا فأتبعه نظره ساعة لم يذكر كم صلى فجعل حائطه صدقة ندما ورجاء للعوض عما فاته وهكذا كانوا يفعلون قطعا لمادة الفكر وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة فهذا هو الدواء القامع لمادة العلة لا يغني غيره فان ما ذكرناه من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر ينفع في الشهوات الضعيفة والهمم التي لا تشغل الا حواشي القلب . فأما الشهوة القلبية المرهقة فلا ينفع فيها التسكين بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي جميع صلواتك في شغل المجاذبة ومثاله رجل تحت شجرة أراد ان يصفو له فكره فكانت أصوات العصافير تشوش عليه فلم يزل يطيرها بخشبة هي في يده ويعود إلى فكره فتعود إلى التنفير بالخشبة فقيل له ان أردت الخلاص فاقلع الشجرة فكذلك شجرة الشهوة إذا تفرقت أغصانها انجذبت إليها الافكار انجذاب العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار والشغل يطول في دفعهما فان الذباب كلما ذبّ آب ولأجله سمي ذبابا فكذا الخواطر فهذه الشهوات كثيرة وقلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل واحد وهو حبّ الدنيا وذلك رأس كل خطيئة ومنبع كل فساد ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء لا ليتزود منها ويستعين بها على الآخرة فلا يطعن في أن يصفو له لذة المناجاة في الصلاة فان من فرح بالدنيا فلا يفرح باللّه وبمناجاته واما من كانت الدنيا معه وليس معها وانما يصرفها حيث امره اللّه ويستعين بها على طاعة اللّه فلا بأس عليه . فقد قال صلّى اللّه عليه وآله نعم العون على تقوى اللّه الغنا ، الا ان موضع تلبيس إبليس ومحل الغرور فهذا هو الدواء ولمرارته استشبعته أكثر الطباع وبقيت العلّة مزمنة وصار الداء عضالا حتى أن الابكار اجتهدوا ان يصلّوا ركعتين لا يحدثوا أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك فاذن لا مطمع فيه لأمثالنا وليت سلم من الصلاة شطرها أو ثلثها عن الوسواس فنكون ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا هذا محصل ما حرره شيخنا الشهيد الثاني ( ر ه ) .