ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال تعالى ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فأخبر ان جلاء القلب يحصل بالذكر وان المتقين هم المتذكرون فالتقوى باب الذكر والذكر باب الكشف والكشف باب الفوز الأكبر .
واعلم أن القلب مثاله مثال حصن والشيطان عدوّ يريد ان يدخل الحصن ويملكه ويستولي عليه ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو الا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواقع تهمه فينبغي الاهتمام بمعرفة ذلك والامر الجامع له الاقبال على اللّه وتخيّل انه واقف بين يديه فإن لم تراه فإنه يراك كما في الخبر فإذا أشعرت بذلك وتحققته وعملت به انسدّت الأبواب دون وسادس اللعين واقبل القلب على اللّه تعالى وتفرغ للعبادة .
وقد روى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ان العبد إذا اشتغل بالصلاة جاء الشيطان وقال له اذكر كذا اذكر كذا حتى يضلّ الرجل ان يدرك ( يدري خ ) كم صلّى ومن هيهنا ظهر لك ان مجرد التلفظ بالذكر باللسان ليس هو الزاجر للشيطان بل لا بدّ معه من عمارة القلب بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة التي هي أعوان إبليس وجنده والا فالذكر من أقوى مداخل الشيطان وكذلك غيره من العبادات ولذلك قال تعالى ان الذي اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فخصص ذلك ذلك بالمتقي وتأمل أنت في منتهى ذكرك وعبادتك وأفضل اعمالك وهو الصلاة فليس الخبر كالعيان فراقب قلبك إذا كنت في الصلاة كيف يتجاذبك الشيطان في الأسواق والبساتين وحساب العاملين وجواب المعاندين وغيرهم ، وكيف يمرّ بك في أودية الدنيا ومهالكها حتى انك لا تتذكر ما نسيته في فضول الدنيا الا في صلاتك ولا يزدهم الشيطان على قلبك الا إذا صليت فلا جرم لا يطرد عنك الشيطان بصورة العبادة وان تأدّى بها الواجب عليك وخرجت من عهدة الامر الإلهي بل لا بد في دفعه مع ذلك من أصول أخرى واصلاح الباطن من الرذائل التي هي أعوانه وجنده والا لم يرد الا ضررا كما أن الدواء قبل الاحتماء لا يزيد المريض الا مرضا والما ثم بعد ذلك يتصف بالفضائل وحينئذ يصير قلبه قابلا للاقبال مشفقا من التفريط والاهمال قال اللّه تعالى الا بذكر اللّه تطمئن القلوب فاجعل هذه العلامة بينك وبين استقامة قلبك واقباله أوقفنا اللّه وإياك بساط الاستقامة بمحمد وآله انتهى .
أقول ما ذكره طاب ثراه من تجاذب الشيطان في الأسواق مشاهد بالوجدان ويعجبني نقل حكاية حكاها رجل ثقة عادل وهو أنه قال إني فكرت في قلبي انه قد جاء في الحديث ان من قبلت منه صلاة ركعتين لا يعذبه بعده فقلت اني امضي إلى مسجد الكوفة وانفرد بصلاة ركعتين بحضور القلب واستجماع الشرائط فمضيت اليه وشرعت في صلاة الركعتين وفرّغت
الأنوار النعمانية — صفحة 226
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص٢٢٦