روى عن الرضا عليه السّلام من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها اجلالا للقبلة وتعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له فإذا لم يرض سبحانه بمواجهة بيته الحسي المركب من الأحجار والأخشاب بأن يواجه بالنجاسات مع أن بينه وبينه المسافات البعيدة فكيف يرضى بأن يكون بيته المعنوي ومحل معرفته ومحبته ملطخا بنجاسات المعاصي ، كما قال سبحانه في الحديث لم تسعني سمائي ولا ارضي ولا عرشي ولا كرسيّ ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن فجعل قلب المؤمن اجلّ وأوسع من العرش والكرسي مع ما تقدم من أحوالهما فينبغي لمن أراد الوقوف بين يديه تعالى ان يصبّ على قلبه ماء التوبة حتى يطهر ما نجس منه .
وكذا كره الشارع له الاكل على الخلا إشارة إلى أن المأكول ينبغي ان يعظمه وان يقبل عليه وان يجلس له على أحسن الأحوال لأنه من أعظم نعمه تعالى ، روى أن الباقر عليه السّلام دخل الخلا فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك كان معه فقال تكون لآكلها إذا خرجت فلما خرج عليه السّلام قال للملوك اين اللقمة قال اكلتها يا ابن رسول اللّه قال إنها ما استقرت في جوف أحد الا وجبت له الجنة فاذهب فأنت حرّ ، فاني اكره ان استخدم رجلا من أهل الجنة ، وهذا حال كل لقمة توجد في القذر فتغسل وتوكل فقد نزّه الاكل عن بيت الخلا إذا تحققت هذا كله فاعلم أنه قد بقي الكلام في مواضع .
الأول في تحقيق معنى القلب الذي قد أمرت بطهارته من الرزائل والأوساخ وأمرت أيضا باحضاره في أوقات العبادات وبسببه تتفاوت مراتب الدرجات قال شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه « 1 » اعلم أن القلب يطلق على معنيين أحدهما اللحم الصنوبري المشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التحويف دم اسود ، وهو منبع الروح ومعدنه وهذا المعنى من القلب موجود للبهائم بل للميت وليس هو المراد في هذا الباب ونظائره .
والمعنى الثاني لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلّق وتلك اللطيفة هي المعبّر عنها بالقلب تارة وبالنفس أخرى وبالروح أخرى وبالانسان أيضا ، وهي المدرك العالم العارف وهو المخطب والمطالب والمعاقب ولها علاقة مع القلب الجسداني وقد تحير عقول أكثر الخلق في ادراك وجه علاقته وان تعلقه به يضاهي لتعلق الاعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للالة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان وحيث يطلق القلب في الكتاب والسنة فالمراد منه هذا المعنى الذي يفقه ويعلم .
هامش
( 1 ) قاله في كتابه ( اسرار الصلاة ) المطبوع كرار .