يصنع بهم أنواع السياسات فأخذتهم غلمانه وأمر ان يحبسوا بمنزله حتى يجيء هو ويقتلهم ، فأتوا بهم وحبسوهم ، فلما كان قرب الصبح اقبل العسس إلى منزله وهم قد تيقنوا القتل ، فلما وصل إلى بيته وتفرق عنه جلاوزته غلقوا بابه فخرج بعض خدّامه بثياب بيض فخلع تلك الثياب وفرش له مصلّاه ، وإذا فيه سجدة وسبحة وقرآن وصحيفة ، فصلّى بتضرع واستكانة وبكاء فلما استتم تعقيبه امر باحضار المؤمنين ، فقال لهم أيها المؤمنون انا مثلكم شيعي ولي من غلّات الاملاك ما يفضل عن مؤنتي ، وليس لي احتياج إلى هذا المنصب ومع هذا في كل سنة اعطى السلطان مبلغا جزيلا حتى يعطوني هذا المحل ، وليس هذا واللّه لا للخوف على أمثالكم من الشيعة حتى لا ينال الضرر أحدا منكم لان كل عسس تقدمني كان إذا ظفر بالشيعة انزل بهم أنواع البلا ، وقد شاهدنا مثله في أصفهان فهؤلاء قد حصلوا الجنة بكونهم اعساسا .
وفي الحديث انه ربما دخل المسجد رجلان صالح وفاسق فلما خرجا كتب الصالح فاسقا والفاسق صالحا ، وذلك ان الصالح إذا رأى أهل المسجد يدلّ عليهم بعبادته ويحقر اعمالهم بالنظر إلى عمله ، فتكون عبادته تلك من الأمور الدنيوية ، واما الفاسق فإنه إذا نظر إلى أهل العبادة في المسجد ندم على ما وقع منه من أنواع المعاصي فيكتب بهذا من الصالحين ، فيكون أنواع فسقه وسيلة إلى دخوله الجنة ، وروى أن الرجل ربما أذنب الذنب فدخل به الجنة ، فقيل له كيف ذلك ؟ قال لان ذلك الذنب يكون نصب عينه فيكون خائفا منه فيدخله اللّه الجنة بذلك الخوف منه والفزع ، وبالجملة فالدنيا المذمومة هي الحالات والأسباب الحائلة بين العبد ومولاه واما الممدوحة فهي تلك الحالات والأسباب أيضا لكن من جهتها الأخرى ، وهي جهة القرب اليه سبحانه « 22 » .
ولنرجع إلى ما كنّا فنقول ان اللّه سبحانه قال
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
وتفصيله على ما ورد في الاخبار ان النطفة إذا وقعت في الرحم بقيت أربعين يوما نطفة ثم تصير علقة حتى يتم لها أربعون يوما ثم تصير مضغة حتى يتمّ لها أربعون يوما فإذا كمل أربعة اشهر بعث اللّه ملكين خلاقين فيقتحمان في بطن المرأة من فمها فيصلان إلى الرحم وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء فينفخان فيها روح الحياة والبقاء ويشقّان له السمع والبصر
هامش
( 22 ) روى أن عيسى عليه السّلام رآى الدنيا في صورة عجوز عليها كل زينة فقال لها كم تزوجت ؟ قالت لا احصهم كثرة قال لها اما تواعنك أو طلقوك ؟ قالت قتلتهم كلهم فقال عليه السّلام تعسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بازواجك الماضين منه رحمه اللّه .