وأيضا هو خلاف العادات ، وذلك ان طول الامل ورجاء ان يبلغ العمر إلى الثمانين وما فوقها هو الذي حثنا ورغبنا في أمور الدنيا والمبادرة إليها فكيف لو علمنا بالحياة ابدا وهذا ظاهر وأيضا في حب الوطن نظام امر الدنيا المأمور به وذلك ان بعض الناس على ما شاهدناهم لهم أوطان وبلاد لا يقدر غيرهم ان يقيم فيها يوما واحدا لكنها عندهم احبّ من بغداد وأصفهان وذلك انهم لو كرهوها لما فيها من الضرر الذي لا يحتمله غيرهم لادّى إلى خراب أكثر البلاد وازدحام الناس في أمكنة مخصوصة .
وأيضا فإنه صلّى اللّه عليه وآله لما هاجر إلى المدينة وسكن فيها كان إذا اتاه آت من مكة يسأله عن ارضها وعن ازهارها ومياهها ويتشوق إليها ، ويقول هي مسقط رأسي فيظهر الميل إليها من جهة كونه وطنا لا من جهة الشرف والفضل فان لذلك مقاما آخر مع أنه صلّى اللّه عليه وآله لقى من أهلها أنواع الأذى لكنها
ديار بها حلّ الشباب تميمتي * وأول ارض مسّ جلدي تربها
وكذلك الأئمة عليهم السّلام كانوا يتشوقون إلى أوطانهم ويظهرون الميل إليها والحب لها لكونها أوطانا مع أن الأوطان والديار ليستا من أمور الدنيا .
وحيث انتهى الحال بنا إلى هنا فلا بأس بتحقيق الدنيا وانها عبارة عن أي شيء وما المراد بالدنيا التي أطبق أهل اللّه على ذمها ، وما المراد بالدنيا التي مدحها أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض مواطنه ، وذلك أنه عليه السّلام سمع رجلا يذم الدنيا فقال أيها الذام للدنيا المنخدع بأباطيلها المغتر بغرورها ، بم تذمها أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ، متى استهوتك أم متى غرتك ، أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى كم عللت بكفيك ومرضت بيديك تبغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم اشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك ، قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك ان الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها ، مسجد أحباء اللّه ومصلى ملائكة اللّه ومهبط وحي اللّه ومتجر أولياء اللّه اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد اذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت نفعها وأهلها فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوقهم بسرورها إلى السرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ، ذكرتهم الدنيا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعضوا ولم يعهد منه عليه السّلام مدح للدنيا سوى هذا الموضع نعم روى عن