المسلمون حولهم في كل مكان يستمعون إلى أحاديثهم ويأخذون منهم معالم
دينهم ، وكان الحديث يوم ذاك يدور في أندية المسلمين عن صفين ، والجمل ،
والفتنة في عصر عثمان ، وفي كله ذم لامية ، وعن الفتوح في عصر الخليفتين ،
وجل ما فيه من المدح لغير أمية ، ويتبارى أصحاب الرسول في ذكر غزواته
وحروبه ، وتعذيب قريش إياهم ، وهنالك تشع النفوس ، وتستمع إلى
الحديث بإجلال وإكبار . والحديث هذا كما ذكرنا كله مجد لهاشم ، وفي جله
ذم لامية ، فإنهم كانوا يذكرون للناس ( 247 ) غزوة بدر ، وكيف قتلوا جد معاوية
وخاله وأخاه وغيرهم من أفراد أسرته ، وكيف سبوا فيها من سبوا من أهله
وذويه ، ويذكرون غزوة أحد ، وكيف بقرت عند عن كبد حمزة ولاكته ، وكيف
نادى أبو سفيان فيها : أعل هبل ، وينشدون شعر حسان في هند ، وما هجاها
به ، وما كانوا يغمزون من نسب معاوية . ويذكرون إسلام أبي سفيان وبنيه ،
وكيف ألف النبي قلوبهم على الاسلام بالمال في حنين ، ويذكرون أن أبا سفيان
لم يكن مخلصا في إسلامه ، فقد قال بعد إسلامه : لو عاودت الجمع لهذا
الرجل . وقال في حنين : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر . وقال يوم اليرموك
حين رأى فرار المسلمين : إيه بني الأصفر ! وعندما ركبهم المسلمون : ويح بني
الأصفر ! وأنشد :
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال * روم لم يبق منهم مذكور
كل هذا يجري في سلطان معاوية والعربي في الجزيرة كان لا يعنى بشئ
عنايته بالتغني بأمجاد القبيلة ، ينفق ما عز وغلا في سبيل نشر مآثرها ، وهذا ما
لم يمح أثره الاسلام ، وإنما خففه في نفوس النزر اليسير من معتنقيه ، ولم يكن
معاوية من ذلك النزر اليسير ، فإنه لم يتطبع بالخلق الاسلامي في مدة مكثه
هامش
يقصد من العقبيين الأنصار الذين بايعوا الرسول في العقبة بمنى قبل هجرة النبي
إليهم ، ويقصد من شغب أبيه عليهم ، خلافه لهم يوم سقيفة بني ساعدة وسبقه إلى بيعة
أبي بكر يومذاك .
( 247 ) ولولا تحديثهم بكل ذلك لما أنهت إلينا أخبار تلك الغزوات بتفاصيلها .