كما قال أولئك فضاق صدره .
فقال له السعيد : إنّ الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب ، وعليك الاجتهاد في الاحتراس ، ولا تغرر بنفسك ، فاللَّه تعالى قد نهى عن ذلك ورسولُه .
فقال له والدي : إذا كان الأمر هكذا وقد وصلت إلى بغداد فأتوجّه إلى زيارة المشهد الشريف بسرّمنرأى - على مشرّفه السلام - ثمّ أنحدر إلى أهلي .
فحسّن له ذلك .
فترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضيّ الدين ، وتوجّه .
قال : فلمّا دخلت المشهد ، وزُرت الأئمّة عليهم السلام نزلت السرداب ، واستغثت باللَّه تعالى وبالإمام عليه السلام وقضيت بعض الليل في السرداب ، وبقيت في المشهد إلى الخميس ، ثمّ مضيت إلى دجلة واغتسلت ولبست ثوباً نظيفاً ، وملأت إبريقاً كان معي وصعدت أريد المشهد ، فرأيت أربعة فُرسان خارجين من باب السور - وكان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم - ، فحسبتهم منهم ، فالتقينا فرأيت شابّين أحدهما عبد مخطوط ، وكلّ واحد منهم متقلّد بسيف ، وشيخاً مُنقباً بيده رمح ، والآخر متقلّد بسيف ، وعليه فرَجيّة « 1 » ملوّنة فوق السيف ، وهو متحنّك بعَذَبته « 2 » ، فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق ، ووضع كعب رمحه في الأرض ، ووقف الشابّان عن يسار الطريق ، وبقي صاحب الفرَجيّة على الطريق مقابل والدي ، ثمّ سلّموا عليه ، فردّ عليهم السّلام .
فقال له صاحب الفرَجيّة : أنت غداً تروح إلى أهلك ؟ فقال له : نعم .
فقال له : تقدّم حتّى ابصر ما يُوجعك .
قال : فكرهت ملامستهم وقلت في نفسي : أهل البادية ما يكادون يحترزون
هامش
( 1 ) - الفَرَجية : ثوب واسع طويل الأكمام « المعجم الوسيط ج 2 ص 685 » . .
( 2 ) - العَذَبة : طرف الشيء ، يقال : عذبة السوط ، وعذبة اللسان ، وعذبة العمامة « المعجم الوسيط ج 2 ص 596 » . .