كنت أزري « 1 » عليها ، إلى أن حضرت مجلس عمّي الحسين يوماً فأخذت أتكلّم في ذلك .
فقال : يا بُنيّ ، قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت إلى ولاية قم حين استصعبت على السّلطان ، فكان كلّ من ورد إليها من جهة السّلطان يحاربه أهلها ، فسلّم إليّ جيش وخرجت نحوها ، فلمّا بلغنا إلى ناحية طزر « 2 » خرجت إلى الصّيد ، ففاتتني طريدة ، فاتّبعتها وأوغلت « 3 » في أثرها حتّى بلغت إلى نهر ، فسرت فيه ، وكلّما أسير يتّسع النّهر ؛ فبينما أنا كذلك إذ طلع عليَّ فارس تحته شهباء ، وهومتعمّم بعمامة خزّ خضراء ، لا أرى منه سوى عينيه ، وفي رجله خفّان أحمران ، فقال لي :
يا حسين - فلا هو أمّرني ولا كنّاني - .
فقلت : ماذا تريد ؟
قال : لِمَ تزري على النّاحية ، ولِمَ تمنع أصحابي خُمس مالك - وكنتُ الرّجل الوقور الّذي لا يخاف شيئاً - فأرعدت [ منه ] وتهيّبته وقلت : أفعل يا سيّدي ما تأمر به .
فقال : إذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجّه إليه فدخلته عفواً « 4 » وكسبت ما كسبته تحمل خمسه إلى مستحقّه .
فقلت : السّمع والطّاعة .
فقال : امض راشداً . ولوّى عنان دابّته وانصرف ، فلم أدر أيّ طريق سلك ، وطلبته يميناً وشمالًا فخفي عليَّ أمره ، وازددت رعباً ، وانكفأت « 5 » راجعاً إلى عسكري ، وتناسيت الحديث .
هامش
( 1 ) - زرى عليه زرياً وزِرايةً : عابه واستهزأ به « مجمعالبحرين ج 1 ص 276 - زرى - » . .
( 2 ) - قال الحموي : هي مدينة في مرج القلعة ، بينها وبين سابلة خراسان مرحلة ، وهي في صحراء واسعة ، وفيهاإيوان عالٍ . . . « معجم البلدان ج 4 ص 34 » . وفي ج 5 ص 101 منه قال : مرج القلعة : بينه وبين حُلوان منزل وهو من حلوان إلى جهة همذان . . . .
( 3 ) - أوغل في السّير إيغالًا ، وتوغّل : أمعن وأسرع « المصباح المنير ص 918 - وغل - » . .
( 4 ) - أدرك الأمر عفواً صفواً : أي في سهولة وسراح « لسان العرب ج 15 ص 75 - عفا - » . .
( 5 ) - انكَفَأَ : مال ورجع « تاج العروس ج 1 ص 400 - كفأ » . .