خلفه عليه السلام متأخراً عنه بأربعة أشبار ، فصلّى الاثنان ، وكنت واقفاً أمامهما ، فوقع في نفسي شيء من أمره ، وفهمت من ذلك أنّ هذين الشخصين ليسا كما ظننت ؛ فلمّا فرغا من الصلاة ، لم أرَ ذلك الشخص الثاني ، ورأيته عليه السلام على كرسي مرتفعاً ارتفاع أربعة أذرع تقريباً ، له سقف وعليه من النور ما يخطف البصر ، فالتفت إليَّ وقال : يا طاهر ، أيّ سلطان من السلاطين كنت تظنّني ؟
قلت : يا مولاي ، أنت سلطان السلاطين ، وسيّد العالم ، ولست أنت من أولئك .
قال : يا طاهر ، قد وصلت إلى بغيتك فما تريد ؟ ألم نكن نرعاك كلّ يوم ، ألم تعرض أعمالك علينا ؟
وواعدني بحسن الحال ، والفرَج عند ذلك الضيق ، فدخل في هذا الحال شخص إلى المسجد من طرف صحن مسلم أعرفه بشخصه واسمه ، وكانت له أعمال سيّئة ، فظهرت آثار الغضب عليه عليه السلام والتفت إليه بوجهه المبارك ، وظهر العرق الهاشمي في جبهته ، وقال : يا فلان ، إلى أين تفرّ ؟ لأرض لسنا فيها ، أم لسماء لسنا فيها ؟ ! فأحكامنا تجري فيها ولا طريق لخلاصك من ذلك إلّاأن تكون تحت أيدينا .
ثمّ التفت إليّ وتبسّم وقال : يا طاهر ، وصلت إلى بغيتك ، فما تريد ؟ فلم أقدر أن أتكلّم لهيبته عليه السلام ولِما اعتراني من الحيرة من جلاله وعظمته . فأعاد عليّ ذلك الكلام مرّة أخرى ، واعتراني من شدّة الحال ما لا يوصف ، فلم أقدر على الجواب والسؤال منه ، فلم يمض أكثر من طرفة عين حتى رأيت نفسي وحدي وسط المسجد ولا يوجد أحدٌ معي ، فنظرت إلى جهة المشرق فرأيت الفجر قد طلع .
قال الشيخ طاهر : فمع أنّي كنت عدّة سنوات أعمى وقد انسدّت كثير من طرق المعاش عليّ والتي كان أحدها خدمة العلماءو الطلاب الذين يتشرّفون هناك فقد توسّع أمر معاشي من ذلك التأريخ حسب وعده عليه السلام ولحدّ الآن - والحمد للَّه - ولم أقع بصعوبة وضيق « 1 » .
هامش
( 1 ) - النجم الثاقب ج 2 ص 246 - 248 . .