وكفاك قول المنصف في هذا المقام فيما اشتهر روايته بين الخاصّ والعامّ ، حيث أراد أن يردّ المهور إلى مهر السنّة ويعذّب المطالب للزّيادة ، فاعترضته امرأة من بين النساء فقالت : أتحكم على خلاف كتاب اللَّه تعالى ! قال : وأين هو ؟ قالت : قوله تعالى « وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً » « 1 » . فقال : كلّ الناس أفقه من عمر حتّى المخدّرات في الحِجال « 2 » .
فانظر بعين الإنصاف وتأمّل هُويناً أنّ من كان علمه بهذه المثابة كيف يسوس الناس وكيف يليق أن يهديهم إلى سواء الطريق ؟
وقال الأوّل : إنّ لي شيطاناً يعتريني مني ، فإذا ملت فسدّدوني « 3 » .
فتدبّر في هذا الرّجل الّذي هو في معرض الزيغ والميل كيف يكون لأخذ ملاك الخلق وأزمّة أمورهم أميناً ، مَن لا يسدّد نفسه كيف يسدّد غيره ؟ !
ثمّ انظر في قوله تعالى خطاباً لإبليس لعنه اللَّه : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » « 4 » وقوله تعالى حكايةً عن إبليس لعنه اللَّه : « لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » « 5 » فمن لا يكون من عباد اللَّه المخلَصين بتسلّط الشيطان عليه كيف يسودهم ؟ وهل هو إلّا تفضيل المفضول على الفاضل « 6 » القبيح على الحكيم عقلًا ؟
الثاني : إنّ أمر الخلافة والإمامة ورئاسة الخلق بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مردّد بين
هامش
( 1 ) - النساء : 20 . .
( 2 ) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 182 . وانظر مجمع الزوائد : 4 / 284 ، والدر المنثور : 2 / 133 ، وكنز العمال : 16 / 537 ح 45798 - 45800 . .
( 3 ) - تاريخ الطبري : 3 / 267 ، تاريخ مدينة دمشق : 30 / 303 - 305 ، مجمع الزوائد : 5 / 183 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 6 / 20 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 71 ، كنز العمال : 5 / 590 رقم 14050 وص 631 رقم 14112 . عيون أخبار الرضا : 2 / 233 ب 57 ذيل ح 1 ، عنه البحار : 27 / 319 . وفي ج 30 / 498 عن السيد المرتضى في الشافي . .
( 4 ) - الإسراء : 65 . .
( 5 ) - الحِجر : 39 و 40 . .
( 6 ) - « على الفاضل » ليس في « ع » . .