دلالة بيّنة على أنّ الزينة والطيّبات مخلوقتان للمؤمنين ، وشاركهم غيرهم في الدنيا غصباً وظلماً ، ولكن في الآخرة لا يشاركهم فيها أحد « وَنادى أَصْحابُ النارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّه قالُوا إِنَّ اللَّه حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ » « 1 » . فإنّ المراد بالزينة المخرجة هو ما في قوله تعالى : « زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشهَواتِ مِنَ النساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ » « 2 » فهذه كلّها مخلوقة للمؤمنين ، وغيرها خُلقت لإصلاحها ، فالعالم كلّه - مجرّده ومادّيّه ، سماويّه وأرضيّه ، جواهره وأعراضه - مصنوع للمؤمن ، مخلوق لأجله ، مسخّر بأمره ، قال سبحانه : « وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » « 3 » .
ومن هنا اتّضح معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام من جملة كتاب كتبه إلى معاوية لعنةاللَّه عليه : «
نحن صنائع اللَّه ، والناس بعدُ صنائعٌ لنا » « 4 »
فلمّا كان رئيس المؤمنين إمامهم بل خُلقوا من فاضل طينته ، كانت الدنيا كلّها مخلوقة لأجله .
وبما ذكرنا في معنى الشرك « 5 » يشهد صريح بعض الأخبار المرويّة عن الأئمّة
هامش
( 1 ) - الأعراف : 50 . .
( 2 ) - آل عمران : 14 . .
( 3 ) - الجاثية : 13 . .
( 4 ) - نهج البلاغة : 386 ضمن الكتاب رقم 28 - وفيه « فإنّا صنائع ربّنا والناس بعد صنائع لنا - عنه بحارالأنوار : 33 / 58 ضمن ح 397 ، الاحتجاج : 177 . وفيها : « فإنّا » بدل « نحن » . قال الشيخ محمد عبده في شرح النهج : 3 / 32 في بيان قوله عليه السلام : آل النبي أُسراء إحسان اللَّه عليهم ، والناس أُسراء فضلهم بعد ذلك . وأصل الصنيع من تصنعه لنفسك بالإحسان حتّى خصصته بك كأنّه عمل يدك . .
( 5 ) - ويشهد به أيضاً قوله سبحانه : « وَعَد اللَّهُ الّذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض » - إلى قوله تعالى - : « لا يشركون بي شيئاً » [ النور : 55 ] فإنّ معنى الشرك فيه الانقياد للطواغيت الّذين غصبوا حقّ أولياء اللَّه الّذين جعلهم اللَّه واسطة بينه وبين خلقه ، وإلّا فلا ينبغي نسبة الشرك بالمعنى الظاهر إلى المؤمنين ، ولا سيّما رؤسائهم الّذين وعدهم اللَّه الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين ، كما لا يخفى . ( منه رحمه الله ) من هامش النسختين . .