المرحلة الثالثة : في التوحيد الالوهيّ
والمراد أنّه لا واجب سواه ، وكلّ معبود مضمحلّ ما عداه ، لأنّه صرف الوجود ومحض الحقّ ، وصرف الشيء ومحضه لا يتكرّر ولا يتكثّر ، فلو كان له شريك في الوجوب امتنع أن يكون هو أيضاً صرف الوجود ، لامتناع تكرّره . وإن كان غير الوجود فكونه محض العدم غير متصوّر ، لأنّ العدم لا يشارك الوجود . وإن كان مركّباً من الوجود وغيره ، فذلك الغير - مع قطع النظر عن الوجود - ليس إلّاالعدم ، فكيف يقرنه في القدم « شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ » « 1 » ، دلّ على ذاته بذاته .
والمشركون كلّهم لا ينكرون التوحيد في هذه المقامات الثلاث ، فإنّ الثنويّة الّذين يقولون بتعدّد الواجب - خالق الخير ويُسمّونه ( يزدان ) ، وخالق الشرّ ويُسمّونه ( أهرمن ) - ، كأنّهم يزعمون أنّ اللَّه تعالى قبل أن يخلق الخلق عُرضت له وحشة من الوحدة ، فحصلت من تلك الوحشة صورة منكرة اجتمعت فيها « 2 » الشرور ، واحتوت على الذمائم على الإجمال ويتولّد الشرور منها بمرور الدهور في الخارج ، وكأنّهم أرادوا به الشيطان فجعلوه ضدّاً وندّاً للَّه « سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً » « 3 » لا ضدّ له
هامش
( 1 ) - آل عمران : 18 . .
( 2 ) - في النسختين « فيه » ، والظاهر أنّه سهو . .
( 3 ) - الإسراء : 43 . .