نعم هذا الاستعجاب نشأ من الغفلة عن معنى العذاب ، وأ نّه لأيّ سبب يعذّب أهل النار ، هل يريد ربّ العالمين التشفّي منهم ؟ !
حاشا لصفات كماله أن يكون التشفّي منها ، بل العذاب هو البُعد عن حرم القرب والوصال ، فمن كان في الدنيا بعيداً كان في الآخرة بعيداً ، إلّاأ نّهم في الدنيا لا يجدون ألم البُعد ، للحجاب الّذي بينهم وبينه من العلائق الجسمانيّة ، فإذا طلع الشمس من مغربها وارتفع الحجاب وجدوا ألم العذاب أشدّ ما يكون ، وعلى ما بهم من البأس والنكال والسلاسل والأغلال ينظرون إلى أهل القرب يتنعّمون ، ومن النعيم المقيم يتلذّدون « يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ » « 1 » يختلفون كاسات الراح « 2 » مع الحور الملاح ، ويرون أنفسهم ظلّهم اليحموم ، وطعامهم الزقّوم « لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلّا حَمِيماً وَغَسّاقاً » « 3 » .
« يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ » « 4 » ، يلدغهم الحيّات والعقارب كلّ ساعة ، ولا يجدون في النجاة حيلةً ولا استطاعة ، يلتمسون من أهل الجنّة نورهم ولا يهتدون إليه سبيلًا ، ويتمنّون من نعيمهم جليلًا أو قليلًا ، فيردّون بالخيبة والبوار ، وليس لهم إلّاالنار « وَنادى أَصْحابُ النارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّه قالُوا إِنَّ اللَّه حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ » « 5 » .
وظاهرٌ أنّ التحريم هنا ليس التحريم التكليفي ، بل هو بمعنى الامتناع العقلي ، وذلك لأنّ نعيم أهل الجنّة وما يأكلون فيها وما يشربون هو قربهم من اللَّه العزيز ، ولذلك « لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ » « 6 » ولا يملّون ولا يسأمون . وآلام
هامش
( 1 ) - الصافّات : 45 و 46 . .
( 2 ) - الراح : الخمر ( المعجم الوسيط : 1 / 382 ) . .
( 3 ) - النبأ : 24 و 25 . .
( 4 ) - الحجّ : 19 - 22 . .
( 5 ) - الأعراف : 50 . .
( 6 ) - الواقعة : 19 . .