وأمّا تثليث القناطر فلأنّ الأمور الّتي شرعها اللَّه تعالى لنا على قسمين : إمّا لتكميل ما بيننا وبين الناس ، أو ما بيننا وبين اللَّه مع قطع النظر عمّا سواه . وكلّ منهما إمّا لابتغاء وجه اللَّه ، أو لغيره من متابعة الهوى والسمعة والرياء .
فالقنطرة الأولى يسأل فيها عن تكميل ما بيننا وبين الناس ، والعمدة فيه الأمانة والرحمةُ ، أحدهما ما يتواصلون بينهم بالمال ، وثانيهما ما يتواصلون بينهم بغيره .
ويحتمل أن يكون المراد من الرحمة والأمانة هو ولاية أهل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فإنّهم الرحمة الموصولة والأمانة المحفوظة ، تفضّل اللَّه بهم على عباده ، وأودعهم عندهم ، وأمرهم بحفظهم ، وحذّرهم عن إضاعتهم ، وأوعدهم بالسؤال عنهم يوم القيامة فقال تعالى : « ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعِيمِ » « 1 » ، فإنّه ليس المراد بالنعيم ما يأكلون ويشربون ويلبسون ، فإنّ الوهّاب بلا منّة أجلّ عطاءً من أن يسأل عن أرزاق عباده ، بل النعيم هو النعمة العامّة الّتي أنعم بها على العباد ، ليهديهم طريق الرشاد ، وهو الإمام الهادي إلى سواء الصراط .
والإمام هو الأمانة الّتي عرضها اللَّه « عَلَى السماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً » لِخيانته في الأمانة « جَهُولًا » « 2 » لعدم معرفته في حقّه ، كما يستفاد ذلك من بعض الأخبار « 3 » في تفسير هذه الآية الشريفة ، ويؤيّد ذلك الأخبار الدالّة على أنّه لا يقبل إلّاممّن جاء بولاية أهل البيت « 4 » .
فالقنطرة الأولى على هذا يُسأل فيها عن العقائد ، فإنّه لا يُقبل من العقائد إلّابعد
هامش
( 1 ) - التكاثر : 8 . .
( 2 ) - الأحزاب : 72 . .
( 3 ) - تفسير القمي : 2 / 198 ، عنه البحار : 23 / 280 ح 21 . .
( 4 ) - الكافي : 2 / 19 ح 5 ، أمالي المفيد : 69 ، تفسير العيّاشي : 1 / 259 ، عنه البحار : 23 / 294 ح 33 . .