حيّاتها وعقاربها الّتي تلدغ أهلها هي الصفات الذميمة الناشئة من القوّة الغضبيّة ، وزقّومها وحميمها وغسلينُها وضريعها هي الصفات الناشئة من القوّة الشهويّة ، وسلاسلها وأغلالها هي العلائق والتقييدات والرّسوم الدنيوية .
دليل ذلك قوله تعالى وتقدّس : « وَلا تُجْزَوْنَ إِلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « 1 » ، وقوله سبحانه :
« إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « 2 » ؛ فإنّ أعمال الكفّار والفسّاق بصريح الآيات المباركات هي جزاؤهم .
ولعلّ هذا تأويل قوله تعالى : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وارِدُها » « 3 » ، فإنّه ليس من بني آدم إلّا وممرّه على الدنيا ، إلّاأنّ المتّقين ليسوا من أبنائها لعدم اعتنائهم بها ، ولا شكّ أنّ الدنيا المذمومة هي التعلّق بها وترجيحها على الآخرة وعلى امتثال أمر اللَّه ونهيه ، وإلّا فجملة من الأنبياء كانوا في الدنيا ذا سلطانٍ قويّ وملكٍ عظيم ، وإلى هذا يشير الحديث النبوي صلى الله عليه وآله : «
تقول النار للمؤمن يوم القيامة : جُز يا مؤمن ، فقد أطفأ نورك لهبي » « 4 » .
والصراط الممدود عليها هو الشريعة الغرّاء الّتي أمر اللَّه تعالى المسافرين في الدنيا بالمرور عليها والسلوك فيها . ومعنى كونه أدقَّ من الشعر وأحدّ من السيف ، هو المواظبة على إتيان الطاعات بحدودها الّتي حدّها اللَّه على الوجه المطلوب ، فلو زيد عليه أو نقص عنه ولو بقدر شعرة أو أقل ضلّ سعيه وبطل . فلو أخلّ مثلًا بشيءٍ من أجزاء العبادات أو شروطها في طرفي صعودها وهبوطها هلك وهوى وما سلك الصراط السويّ وما اهتدى ، وكذا في مودّة ذوي القربى إن غلا أو قلى استحقّ النار
هامش
( 1 ) - يس : 54 . .
( 2 ) - الطور : 16 ، التحريم : 7 . .
( 3 ) - مريم : 71 . .
( 4 ) - مجمع البيان : 6 / 506 ، مناقب ابن شهرآشوب : 3 / 40 ، مجمع الزوائد : 10 / 360 ، المعجم الكبير : 22 / 258 رقم 668 ، كنز العمّال : 14 / 385 رقم 39029 ، مستدرك الوسائل : 4 / 388 ح 4992 . .