وأمّا ادّعاؤه - بعد أسطر - أنّ السفر المقصود منه زيارة النبي صلى الله عليه وآله دون الصلاة في مسجده غير مشروع ولا مأمور به ، ناسباً ذلك إلى أكثر العلماء ، ومستدلًا بحديث « لا تشدّ الرحال » فهو أيضاً يفتقر إلى الدقة ؛ والدليل على ذلك :
أوّلًا : سيأتي في محلّه « 1 » أنّ حديث « لا تشدّ الرحال » إنّما يراد منه تبيين فضل هذه المساجد الثلاثة ، وليس له أيّة علاقة بالسفر إلى زيارته صلى الله عليه وآله ؛ وأنّ السفر لزيارته صلى الله عليه وآله أمر مستحبّ ، كالسفر لطلب العلم ، أو لصلة الرحم ، أو لسائر الأعمال المستحبة .
ثانياً : إنّ ادّعاءه بكون رأيه متّفقاً مع رأي أكثر الفقهاء خلاف للواقع ، إذ أنّ الكثير من العلماء قالوا باستحباب زيارته صلى الله عليه وآله ، بل إنّ بعضهم عدّ أداءها مرّة واحدة في العمر أمراً واجباً ، وهي من الأهمية بمكان ، ممّا دعى القاضي عياض إلى نقل كلام أبي عمران :
« واجبٌ شدّ الرحال إلى قبره صلى الله عليه وآله وسلم » مبيّناً أنّه « يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد ، لا وجوب فرض » « 2 » .
وفي بيان استحباب الزيارة واستحباب السفر إليها ، عقد السبكي بابين في كتابه « شفاء السقام » ، « الباب الخامس : في تقرير كون الزيارة قربة وذلك بالكتاب والسنّة والإجماع والقياس » ، و « الباب السادس : في كون السفر إليها قربة وذلك من وجوه ، أحدها : الكتاب العزيز . . . الثاني : السنّة . . . الرابع : الإجماع . . . » « 3 » .
وقد نقل السبكي مجموعة من فتاوى الفقهاء القائلين بالاستحباب ، قال :
« الباب الرابع : في نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيّدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وبيان أنّ ذلك مجمع عليه بين المسلمين .
قال القاضي عياض رحمه الله : وزيارة قبره صلّى اللَّه عليه وسلّم سنّة
هامش
( 1 ) - انظر ص 303 وما بعدها .
( 2 ) - الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 297 رقم 1470 .
( 3 ) - شفاء السقام : 80 - 102 .