وقد يجوز أيضاً أن يُقدِّر اللَّه أعمالَ العباد ، بأن يُبيّن مقاديرها وأحوالها من حُسنٍ وقُبْحٍ ، وفرضٍ ونافلة ، وغير ذلك ، ويفعل من الأدلّة على ذلك ما يُعرِّف به هذه الأحوال لهذه الأفعال ، فيكون عزَّ وجلَّ مُقدِّراً لها في الحقيقة . وليس يُقدِّرها ليعرف مقدارها ؛ ولكن ليبيّن لغيره ممّن لا يعرف ذلك ، حال ما قدَّره بتقديره إيّاه .
وهذا أظهر من أن يخفى ، وأبين من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه ، ألا ترى أنّا قد نرجع إلى أهل المعرفة بالصناعات في تقديرها لنا ، فلا يمنعهم علمهم بمقاديرها من أن يقدروها لنا ليبيّنوا لنا مقاديرها .
وإنّما أنكرنا أن يكون اللَّه عزَّ وجلَّ حكم بها على عباده ومنعهم من الانصراف عنها ، أو أن يكون فَعَلَها وكَوَّنها ، فأمّا أن يكون اللَّه عزَّ وجلَّ خلقها خلق تقدير فلا نُنكره .
وسمعت بعض أهل العلم يقول : إنَّ القضاء على عشرة أوجهٍ :
فأول وجه منها العلم ، وهو قول اللَّه عزَّ وجلَّ : « إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَل - هَا » « 1 » يعني علمها .
والثاني : الإعلام ، وهو قوله عزَّ وجلَّ : « وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِى إِسْرَ ءِيلَ فِى الْكِتبِ » « 2 » ، وقوله عزَّ وجلَّ : « وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَ لِكَ الْأَمْرَ » « 3 » أي أعلمناه .
والثالث : الحُكم ، وهو قوله عزَّ وجلَّ : « وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقّ » « 4 » أي يحكم بالحق .
والرابع : القول ، وهو قوله عزَّ وجلَّ : « وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقّ » « 5 » أي يقول الحق .
والخامس : الحتم ، وهو قوله عزَّ وجلَّ : « فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ » « 6 » يعني
هامش
( 1 ) - يوسف : 68 .
( 2 ) - الإسراء : 4 .
( 3 ) - الحجر : 66 .
( 4 ) - المؤمن : 20 .
( 5 ) - المؤمن : 20 .
( 6 ) - سبأ : 14 .