المنسوخ ، فلو لم يكن ما هذه صفته حادثاً بطلت الدلالة على حدوث المحدثات ، وتعذَّر إثبات مُحدِثها بتناهيها وتفرّقها واجتماعها .
وشئ آخر : وهو أنَّ العقول قد شهدت والأمة قد اجتمعت ، على أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ صادق في إخباره ، وقد علم أن الكذب هو أن يخبر بكون ما لم يكن ، وقد أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ عن فرعون وقوله : « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى » « 1 » ، وعن نوح أنّه نادى ابنه وهو في معزل : « يبُنَىَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَاتَكُن مَّعَ الْكفِرِينَ » « 2 » .
فإن كان هذا القول وهذا الخبر قديماً ، فهو قبل فرعون وقبل قوله ما أخبر عنه ، وهذا هو الكذب ، وإن لم يُوجد إلّابعد أن قال فرعون ذلك ، فهو حادثٌ لأنّه كان بعد أن لم يكن .
وأمر آخر : وهو أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ قال : « وَلَل - ن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ » « 3 » ، وقوله : « مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ » « 4 » وما له مثل ، أو جاز أن يعدم بعد وجوده فحادث لا محالة « 5 » .
التفكّر في ملكوت السماوات والأرض
قال رحمه الله في باب ( ثواب الموحّدين ) من كتاب التوحيد :
قد قال اللَّه عزّ وجلّ : « أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّموَ تِ وَالأْرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ » « 6 » يعني بذلك : أولم يتفكّروا في ملكوت السماوات والأرض وفي عجائب صنعها ؟ أولم ينظروا في ذلك نظر مستدلّ معتبر ، فيعرفوا بما يرون ما أقامه اللَّه عز وجل من السماوات والأرض مع عظم أجسامها وثقلها على غير عمد ، وتسكينه إيّاها بغير آلة ، فيستدلّوا بذلك على خالقها ومالكها ومُقيمها أنَّه لا يشبه
هامش
( 1 ) - النازعات : 24 .
( 2 ) - هود : 42 .
( 3 ) - الإسراء : 86 .
( 4 ) - البقرة : 106 .
( 5 ) - التوحيد : 225 - 226 .
( 6 ) - الأعراف : 185 .