تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أئمتنا عباد الرحمان — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
ثم بالجهاد ، ثم سبقهم بعد هذه الثلاثة الرتب بكونه من ذوي الارحام . فأما أبو بكر فقد هاجر إلى المدينة إلّا أنّ لعلي مزايا فيها عليه ، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخرجه مع نفسه أوخرج هو لعلّةٍ وترك عليّاً للمبيت باذلًا مهجته ، فبذل النفس أعظم من الإتّقاء على النفس في الهرب إلى الغار . وقد روى أبو المفضّل الشيباني باسناده عن مجاهد قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول اللَّه في الغار ، فقال عبد اللَّه بن شدّاد بن الهاد : فأين أنت من عليّ بن أبي طالب حيث نام في مكانه وهو يرى أنه يُقتل ؟ فسكتت ولم تحر جواباً ، وشتّان بين قوله : « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللَّه » « 1 » وبين قوله : « لا تحزن إنّ اللَّه معنا » « 2 » ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه يُقوّي قلبه ولم يكن مع عليّ ، وهو لم يُصبه وجعٌ وعليّ يُرمى بالحجارة ، وهو مختفٍ في الغار وعليٌّ ظاهرٌ للكفار ، واستخلفه الرسول لردّ الودائع لأنّه كان أميناً ، فلما أدّاها قام على الكعبة فنادى بصوتٍ رفيع : يا أيها الناس هل من صاحب أمانة ؟ هل من صاحب وصيّة ؟ هل من صاحب عِدة له قِبَلَ رسول اللَّه ؟ فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان في ذلك دلالة على خلافته وأمانته وشجاعته . وحمل نساء الرسول خلفه بعد ثلاثة أيّام ، وفيهنّ عائشة ، فله المنّة على أبي بكر بحفظ ولده ، ولعلي عليه السلام المنّة عليه في هجرته ، وعليّ ذوالهجرتين والشجاع البائت بين أربع مائة سيفٍ ، وانّما أباته على فراشه ثقةً بنجدته ، فكانوا محدقين به إلى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهراً ، فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل .
هامش
( 1 ) البقرة 207 . ( 2 ) التوبة 40 .