تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نيل الأوطار — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
إلى أنه مما يكفر به ، وأن يفرق بين المرء وزوجه ، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له ، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته ، وأنه أشياء دفنت وأخرجت ، وهذا كله يبطل ما قالوه ، فإحالة كونه من الحقائق محال ، ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه يخرق العادة عند النطق بكلام أو تركيب أجسام أو المزج بين قوي على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر ، وإذا شاهد الانسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسموم ، ومنها مسقمة كالأدوية الحادة ، ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض ، لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوى قتالة أو كلام مهلك أو مؤد إلى التفرقة ، قال : وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر ، فزعم أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع ، قال : وهذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل ، لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ ، والمعجزة شاهدة بذلك ، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل ، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلا من أجلها وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ ، وقد يتخيل الانسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له ، وقيل : إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ، ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته على السداد . قال القاضي عياض : وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده ، ويكون معنى قوله : حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهم ، ويروى أنه يخيل إليه أي يظهر له من نشاطه ، ومتقدم عادته القدرة عليهن ، فإذا دنا منهن أخذه السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك ، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه أنه فعل شيئا ولم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا بخلل تطرق إلى العقل ، وليس في ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل الضلالة انتهى . قال المازري : واختلف الناس في القدر الذي يقع به السحر ولهم فيه اضطراب ، فقال بعضهم : لا يزيد تأثيره على قدر التفرقة بين المرء وزوجه لأن الله تبارك وتعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده وتهويلا له ، فلو وقع به أعظم منه لذكره ، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة إلا بأعلى أحوال المذكور ، قال : ومذهب الأشعرية أنه يجوز أن يقع به أكثر من