إلى أنه مما يكفر به ، وأن يفرق بين المرء وزوجه ، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة
له ، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته ، وأنه أشياء دفنت وأخرجت ، وهذا كله يبطل
ما قالوه ، فإحالة كونه من الحقائق محال ، ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه يخرق
العادة عند النطق بكلام أو تركيب أجسام أو المزج بين قوي على ترتيب لا يعرفه
إلا الساحر ، وإذا شاهد الانسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسموم ، ومنها مسقمة
كالأدوية الحادة ، ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض ، لم يستبعد عقله أن
ينفرد الساحر بعلم قوى قتالة أو كلام مهلك أو مؤد إلى التفرقة ، قال : وقد
أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر ، فزعم أنه يحط منصب النبوة
ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع ، قال : وهذا الذي ادعاه
هؤلاء المبتدعة باطل ، لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وعصمته فيما
يتعلق بالتبليغ ، والمعجزة شاهدة بذلك ، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل ، فأما
ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلا من أجلها وهو مما
يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ ، وقد
يتخيل الانسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له ، وقيل : إنه
يخيل إليه أنه فعله وما فعله ، ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته على
السداد . قال القاضي عياض : وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما
تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده ، ويكون معنى
قوله : حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهم ، ويروى أنه يخيل إليه أي يظهر له من
نشاطه ، ومتقدم عادته القدرة عليهن ، فإذا دنا منهن أخذه السحر فلم يأتهن ولم
يتمكن من ذلك ، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه أنه فعل شيئا ولم يفعله
ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا بخلل تطرق إلى العقل ، وليس في ذلك
ما يدخل لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل الضلالة انتهى . قال المازري : واختلف
الناس في القدر الذي يقع به السحر ولهم فيه اضطراب ، فقال بعضهم : لا يزيد تأثيره
على قدر التفرقة بين المرء وزوجه لأن الله تبارك وتعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما
يكون عنده وتهويلا له ، فلو وقع به أعظم منه لذكره ، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة
إلا بأعلى أحوال المذكور ، قال : ومذهب الأشعرية أنه يجوز أن يقع به أكثر من
نيل الأوطار — صفحة 365
مساهمون: الشوكاني
ص٣٦٥