تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نيل الأوطار — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
( والأحاديث ) تدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من غرز الخشب في جداره ، ويجبره الحاكم إذا امتنع ، وبه قال أحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم وأهل الحديث . وقالت الحنفية والهادوية ومالك والشافعي في أحد قوليه والجمهور أنه يشترط إذن المالك ، ولا يجبر صاحب الجدار إذا امتنع ، وحملوا النهي على التنزيه جمعا بينه وبين الأدلة القاضية بأنه : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه . وتعقب بأن هذا الحديث أخص من تلك الأدلة مطلقا فيبنى العام على الخاص . قال البيهقي : لم نجد في السنن الصحية ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها ، وحمل بعضهم الحديث على ما إذا تقدم استئذان الجار كما وقع في رواية لأبي داود بلفظ : إذا استأذن أحدكم أخاه . وفي رواية لأحمد : من سأله جاره وكذا في رواية لابن حبان ، فإذا تقدم الاستئذان لم يكن للجار المنع لا إذا لم يتقدم . قوله : في جداره الظاهر عود الضمير إلى المالك أي في جدار نفسه ، وقيل : الضمير يعود على الجار الذي يريد الغرز ، أي لا يمنعه من وضع خشبه على جدار نفسه ، وإن تضرر به من جهة منع الضوء مثلا . ووقع لأبي عوانة من طريق زياد بن سعد عن الزهري أنه يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به جاره ، والظاهر الأول ، ويؤيده قوله في حديث ابن عباس : في حائط جاره . وكذلك قوله في الحديث الآخر : فاجعل أسطوانا دون جداري قيل : وهذا الحكم مشروط عند القائلين بأنه يجب ذلك على الجار بحاجة من يريد الغرز إليه وعدم تضرر المالك ، فإن تضرر لم يقدم حاجة جاره على حاجته ، ولكنه لا يخفى أن إطلاق الأحاديث قاض بعدم اعتبار عدم تضرر المالك ، ولكنه يجب على من يريد الغرز أن يتوقى الضرر بما أمكن ، فإن لم يمكن إلا بإضرار وجب على الغارز إصلاحه ، وذلك كما يقع عند فتح الجدار لغرز الجذوع ، وأما اعتبار حاجة الغارز إلى الغرز فأمر لا بد منه . قوله : ما لي أراكم عنها معرضين أي عن هذه المقالة التي جاءت بها السنة أو عن هذه الوصية أو الموعظة . قوله : والله لأرمين بين أكتافكم بالتاء الفوقية أي لأقر عنكم بها كما يضرب الانسان بالشئ بين كتفيه ليستيقظ من غفلته . قال القاضي عياض وابن عبد البر : وقد رواه بعض رواة الموطأ أكنافكم بالنون ، والكنف الجانب ونونه مفتوحة ، والمعنى : لأصرخن بها بين جماعتكم ولا أكتمها أبدا . وقال الخطابي معناه : إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به
نيل الأوطار — صفحة 386 | الشوكاني