تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون ، فمعنى :
عَلى
هاهنا للحال أي حالة الكبر ، وقوله :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
فيه مسألتان : المسألة الأولى : لفظ ما هاهنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال : بأي أعجوبة تبشروني ؟ فإن قيل : في الآية إشكالان : الأول : أنه كيف استبعد قدرة اللّه تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر وإنكار قدرة اللّه تعالى في هذا الموضع كفر . الثاني : كيف قال :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
مع أنهم قد بينوا ما بشروه به ، وما فائدة هذا الاستفهام . قال القاضي : أحسن ما قيل في الجواب عن / ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شابا ، ثم يعطيه الولد ، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب . فإن قيل : فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين . قلنا : إنهم بينوا أن اللّه تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقولهم : فلا تكن من القانطين . لا يدل على أنه كان كذلك ، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال :
وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
وفيه جواب آخر ، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت ، وقيل أيضا : إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلبا للالتذاذ بسماع تلك البشارة ، وطلبا لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله :
وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] وقيل أيضا : استفهم أبأمر اللّه تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم ؟ المسألة الثانية : قرأ نافع : تبشرون بكسر النون خفيفة في كل القرآن ، وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها . والباقون بفتح النون خفيفة ، أما الكسر والتشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الإضافة ، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين وطلبا للتخفيف قال أبو حاتم : حذف نافع الياء مع النون . قال : وإسقاط الحرفين لا يجوز ، وأجيب عنه : بأنه أسقط حرفا واحدا وهي النون التي هي علامة للرفع . وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع :
وَلا تَكُ
وفي موضع :
وَلا تَكُنْ *
فأما فتح النون فعلى غير الإضافة والنون علامة الرفع وهي مفتوحة أبدا ، وقوله :
بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ
قال ابن عباس : يريد بما قضاه اللّه تعالى والمعنى : أن اللّه تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحاق عليه السلام . ويخرج من صلب إسحاق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب إسحاق أكثر الأنبياء فقوله :
بِالْحَقِّ
إشارة إلى هذا المعنى وقوله :
فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ
نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط وقد ذكرنا كثيرا أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهى عنه كما في قوله :
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ *
[ الأحزاب : 1 ] ثم حكى تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال :
وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا الكلام حق ، لان القنوط من رحمة اللّه تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 151 | فخر الدين الرازي