تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
المسألة الرابعة : قوله ،
إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ
في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون . ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة واللّه أعلم .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 61 إلى 64 ]

فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ( 61 ) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 62 ) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 63 ) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 64 ) اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وإلى آله ، وأن لوطا وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة اللّه ، فلهذا قال لهم :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
وفي تأويله وجوه : الأول : أنه إنما وصفهم بأنهم منكرون ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما عرفهم ، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه ، فقال هذه الكلمة . والثاني : أنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه ، فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة . والثالث : أن النكرة ضد المعرفة فقوله :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
أي لا أعرفكم ، ولا أعرف أنكم من أي الأقوام ، ولأي غرض دخلتم علي ، فعند هذه الكلمة قالت الملائكة ، بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ، أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله ، ثم أكدوا / ما ذكروه بقولهم :
وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ
قال الكلبي : بالعذاب ، وقيل باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم ،
وَإِنَّا لَصادِقُونَ
.

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 65 إلى 66 ]

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ( 65 ) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) قرئ
فَأَسْرِ
بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى . وروى صاحب الكشاف عن صاحب الإقليد فسر من السير والقطع آخر الليل . قال الشاعر :
افتحي الباب وانظري في النجوم * كم علينا من قطع ليل بهيم
وقوله :
وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ
معناه : اتبع آثار بناتك وأهلك . وقوله :
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ
الفائدة فيه أشياء : أحدها : لئلا يتخلف منكم أحد فينا له العذاب . وثانيها : لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء . وثالثها : معناه الإسراع وترك الاهتمام لما خلف وراءه كما تقول : امض لشأنك ولا تعرج على شيء . ورابعها : لو بقي منه متاع في ذلك الموضع ، فلا يرجعن بسببه البتة . وقوله :
وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
قال ابن عباس : يعني الشام . قال المفضل : حيث يقول لكم جبريل . وذلك لأن جبريل عليه السلام أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط . وقوله :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ
عدى قضينا بإلى ، لأنه ضمن معنى أوحينا ، كأنه قيل : وأوحيناه إليه مقضيا مبتوتا ، ونظيره قوله تعالى :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
[ الإسراء : 4 ] وقوله ،
ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ
[ يونس : 71 ] ثم إنه فسر بعد ذلك القضاء المبتوت بقوله :
أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
وفي إبهامه أولا ، وتفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم له . وقرأ الأعمش إن بالكسر على الاستئناف كان قائلا قال أخبرنا