تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أما قوله تعالى :
إِلَّا آلَ لُوطٍ
فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه . فإن قيل : قوله :
إِلَّا آلَ لُوطٍ
هل هو استثناء منقطع أو متصل ؟ قلنا : قال صاحب « الكشاف » : إن كان هذا الاستثناء استثناء من ( قوم ) كان منقطعا ، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين ، فاختلف الجنسان ، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعا . وإن كان استثناء من الضمير في ( مجرمين ) كان متصلا كأنه قيل : إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال :
فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
[ الذاريات : 36 ] ثم قال صاحب « الكشاف » : ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين ، وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال ، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلا ، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء ، وأما قوله :
إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي منجوهم خفيفة ، والباقون مشددة وهما لغتان . أما قوله تعالى :
إِلَّا امْرَأَتَهُ
قال صاحب « الكشاف » : هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله :
لَمُنَجُّوهُمْ
وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء ، لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه ، كما لو قيل : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته ، وكما لو قال : المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين إلا واحدة ، وكما إذا قال : المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما ، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان ، لأن قوله :
إِلَّا آلَ لُوطٍ
متعلق بقوله :
أُرْسِلْنا
أو بقوله
مُجْرِمِينَ
وقوله :
إِلَّا امْرَأَتَهُ
قد تعلق بقوله :
لَمُنَجُّوهُمْ
فكيف يكون هذا استثناء من استثناء . وأما قوله :
قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن معنى التقدير في اللغة : جعل الشيء على مقدار غيره . يقال : قدر هذا الشيء بهذا أي اجعله على مقداره ، وقدر اللّه تعالى الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية ، ثم يفسر التقدير بالقضاء ، فقال : قضى اللّه عليه كذا ، وقدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي / في الخير والشر ، وقيل في معنى :
قَدَّرْنا
كتبنا . قال الزجاج : دبرنا . وقيل : قضينا ، والكل متقارب . المسألة الثانية : قرأ أبو بكر عن عاصم
قَدَّرْنا
بتخفيف الدال هاهنا وفي النمل . وقرأ الباقون فيهما بالتشديد . قال الواحدي يقال : قدرت الشيء وقدرته ، ومنه قراءة ابن كثير :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
[ الواقعة : 60 ] خفيفا ، وقراءة الكسائي :
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
ثم قال : والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالا لقوله تعالى ،
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[ فصلت : 10 ] وقوله :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[ الفرقان : 2 ] . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه للّه تعالى ، ولم لم يقولوا : قدر اللّه تعالى ؟ والجواب : إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص باللّه تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم ، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك ، فكذا هاهنا واللّه أعلم .