تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
أحدها : أن يجهل كونه تعالى قادرا عليه . وثانيها : أن يجهل كونه تعالى عالما باحتياج ذلك العبد إليه . وثالثها : أن يجهل كونه تعالى منزها عن البخل والحاجة والجهل فكل هذه الأمور سبب للضلال ، فلهذا المعنى قال :
وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
. المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو والكسائي : ( يقنط ) بكسر النون ولا تقنطوا كذلك ، والباقون بفتح النون وهما لغتان : قنط يقنط ، نحو ضرب يضرب ، وقنط يقنط نحو علم يعلم ، وحكى أبو عبيدة : قنط يقنط بضم النون ، قال أبو علي الفارسي : قنط يقنط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله :
مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا
[ الشورى : 28 ] وحكاية أبي عبيدة تدل أيضا على أن قنط بفتح النون أكثر ، لأن المضارع من فعل يجيء على يفعل ويفعل مثل فسق يفسق ولا يجيء مضارع فعل على يفعل . واللّه أعلم .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 57 إلى 60 ]

قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 57 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 58 ) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ( 59 ) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ( 60 ) [ في قوله تعالى
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
] في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله :
فَما خَطْبُكُمْ
سؤال عما لأجله أرسلهم اللّه تعالى ، والخطب والشأن والأمر سواء : إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال . فإن قيل : إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك :
فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
. قلنا : فيه وجوه : الأول : قال الأصم : معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى . الثاني : قال القاضي : إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من الملائكة كافيا ، فلما رأي جمعا من الملائكة علم أن لهم غرضا آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال :
فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
. الثالث : يمكن أن يقال إنهم قالوا :
إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ
. في معرض إزالة الخوف والوجل ، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف قالوا له :
لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ
[ الحجر : 53 ] . / ولو كان تمام المقصود من المجيء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة ، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال :
فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
. ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا :
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضا فقولهم :
إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم .