والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ
. الثاني :
لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ
المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها .
ثم قال تعالى :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ / من قولهم : أغل في جوفه وتغلغل ، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع اللّه ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم ،
وعن علي عليه السلام أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ،
و
حكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالسا عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي : مرحبا بك يا ابن أخي ، أما واللّه إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال اللّه تعالى في حقهم :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
فقال الحرث : كلا بل اللّه أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد . قال عليه السلام : فلمن هذه الآية ؟ لا أم لك يا أعور ،
و
روي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض ، ثم يؤمر بهم إلى الجنة .
وقد نقى اللّه قلوبهم من الغل والغش ، والحقد والحسد ،
وقوله :
إِخْواناً
نصب على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[ الزخرف : 67 ] وقوله :
عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال : سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو : سرر وسرر ، وجدد وجدد قال المفضل : بعض تميم وكلب يفتحون ، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد ، وقال بعض أهل المعاني : السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور . قال الليث : وسرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس : يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ، وقوله :
مُتَقابِلِينَ
التقابل التواجه ، وهو نقيض التدابر ، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله :
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ
النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب :
وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
والمراد به كونه خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء ، وكمالا بلا نقصان ، وفوزا بلا حرمان .
واعلم أن للثواب أربع شرائط : وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن الشوائب دائمة .
أما القيد الأول : وهو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
.
وأما القيد الثاني : وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ
لأن اللّه سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم وغاية الإجلال .
وأما القيد الثالث : وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر ، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية ، وإما أن تكون جسمانية ، أما المضار الروحانية فهي الحقد ، والحسد ، والغل ، والغضب ، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ / إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله :
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ
إشارة إلى نفي المضار الجسمانية .