تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وأما القيد الرابع : وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله :
وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال ، فإنهم قالوا : المراد من قوله :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية ، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال ، وقوله :
إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام ، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية ، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية ، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية ، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله :
إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
واللّه أعلم .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 49 إلى 50 ]

نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ( 50 ) في الآية مسألتان : المسألة الأولى : أثبتت الهمزة الساكنة في ( نبىء ) صورة ، وما أثبتت في قوله :
دِفْءٌ
. و
جُزْءٌ
لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرا وتلقى حركتها على الساكن قبلها ، ف ( نبىء ) في الخط على تحقيق الهمزة ، وليس قبل همزة ( نبىء ) ساكن فأجروها على قياس الأصل : المسألة الثانية : اعلم أن عباد اللّه قسمان : منهم من يكون متقيا ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فلما ذكر اللّه تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة ، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال :
نَبِّئْ عِبادِي
. واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فههنا وصفهم بكونهم عبادا له ، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفورا رحيما ، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كون اللّه غفورا رحيما ومن أنكر ذلك كان مستوجبا للعقاب الأليم . وفي الآية لطائف : إحداها : أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله :
عِبادِي
وهذا تشريف عظيم . ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا / صلّى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد على قوله :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
[ الإسراء : 1 ] . وثانيها : أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة : أولها : قوله :
أَنِّي
. وثانيها : قوله :
أَنَا
. وثالثها : إدخال حرف الألف واللام على قوله :
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك بل قال :
وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ
. وثالثها : أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة . ورابعها : أنه لما قال :
نَبِّئْ عِبادِي
كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتي ، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع ، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي ، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من اللّه تعالى . وعن قتادة قال : بلغنا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو يعلم العبد قدر عفو اللّه تعالى ما تورع من حرام ، ولو علم قدر عقابه لبخع نفسه » أي قتلها وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه ، وهم يضحكون فقال : « أتضحكون والنار بين أيديكم » فنزل قوله :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
واللّه أعلم .