تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
فهو صدق لأنه لا بد وان يكون واقعا وهو بعد وقوعه عدل لان أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بصفة الظلمية . الصفة الرابعة : من صفات كلمة اللّه قوله :
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
وفيه وجوه الأول إنا بينا ان المراد من قوله :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
انها تامة في كونها معجزة دالة على صدق محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . ثم قال :
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
والمعنى ان هؤلاء الكفار يلقون الشبهات في كونها دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام الا ان تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلائل التي لا تقبل التبديل البتة لان تلك الدلالة ظاهرة باقية جلية قوية لا تزول بسبب ترهات الكفار وشبهات أولئك الجهال . والوجه الثاني : ان يكون المراد انها تبقى مصونة عن التحريف والتغيير كما قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] . والوجه الثالث : ان يكون المراد انها مصونة عن التناقض كما قال :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] والوجه الرابع : ان يكون المراد ان احكام اللّه تعالى لا تقبل التبديل والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول واعلم أن هذا الوجه أحد الأصول القوية في اثبات الجبر لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة ثم قال :
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
يلزم امتناع ان ينقلب السعيد شقيا وان ينقلب الشقي سعيدا فالسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 116 إلى 117 ]

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) [ في قوله تعالى
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
] اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بين ان بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي ان يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال ولا ينبغي ان يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا لان الإضلال لا بد وان يكون مسبوقا بالضلال واعلم أن حصول هذا الضلال والإضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة أولها : المباحث المتعلقة بالالهيات فان الحق فيها واحد واما الباطل ففيه كثرة ومنها القول بالشرك اما كما تقوله الزنادقة / وهو الذي اخبر اللّه عنه في قوله :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ
[ الانعام : 100 ] واما كما يقوله عبدة الكواكب واما كما يقوله عبدة الأصنام وثانيها : المباحث المتعلقة بالنبوات اما كما يقوله من ينكر النبوة مطلقا أو كما يقوله من ينكر النشر أو كما يقوله من ينكر نبوة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد وثالثها : المباحث المتعلقة بالاحكام وهي كثيرة فان الكفار كانوا يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فقال تعالى :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق وعلى الحق بأنه باطل يضلوك عن سبيل اللّه اي عن الطريق والمنهج الصدق .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 126 | فخر الدين الرازي