تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
والوجه الثاني : التمسك بقوله :
مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
فيجب ان يكون الفعل مسندا إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم اللّه تعالى واما الذين قرءوا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
[ المائدة : 3 ] وقوله :
حُرِّمَتْ
تفصيل لما أجمل في هذه الآية فلما وجب في التفصيل ان يقال :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
بفعل ما لم يسم فاعله وجب في الإجمال كذلك وهو قوله :
ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
ولما ثبت وجوب
حَرَّمَ
بضم الحاء فكذلك يجب : فصل بضم الفاء لان هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه وأيضا فإنه تعالى قال :
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا
[ الانعام : 114 ] وقوله :
مُفَصَّلًا
يدل على فصل واما من قرا
فَصَّلَ
بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله :
فَصَّلَ
قوله :
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ *
وفي قوله :
حَرَّمَ
قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
. المسألة الثانية : قوله :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
أكثر المفسرين قالوا المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
وفيه اشكال وهو ان سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية وهي آخر ما انزل اللّه بالمدينة وقوله
وَقَدْ فَصَّلَ
يقتضي ان يكون ذلك المفصل مقدما على هذا المجمل والمدني متأخر عن المكي والمتأخر يمتنع كونه متقدما بل الأولى ان يقال المراد قوله بعد هذه الآية :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
[ الانعام 145 ] وهذه الآية وان كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل الا ان هذا القدر من التأخير لا يمنع ان يكون هو المراد واللّه اعلم وقوله
إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
اي دعتكم الضرورة إلى اكله بسبب شدة المجاعة . ثم قال :
وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ
وفيه مسائل : المسألة الأولى قرأ ابن كثير وأبو عمرو :
لَيُضِلُّونَ
بفتح الياء وكذلك في يونس :
رَبَّنا لِيُضِلُّوا
[ يونس : 88 ] وفي إبراهيم :
لِيُضِلُّوا
[ إبراهيم : 30 ] وفي الحج :
ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ
[ الحج : 9 ] وفي لقمان
لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ
[ لقمان : 6 ] وفي الزمر :
أَنْداداً لِيُضِلَّ
[ الزمر : 8 ] وقرا عاصم وحمزة والكسائي جميع ذلك بضم الياء وقرا نافع وابن عامر هاهنا وفي يونس بفتح الياء وفي سائر المواضع بالضم فمن قرا بالفتح أشار إلى كونه ضالا ومن قرا بالضم أشار إلى كونه مضلا قال وهذا أقوى في الذم لان كل مضل فإنه يجب كونه ضالا وقد يكون ضالا ولا يكون مضلا فالمضل أكثر استحقاقا للذم من الضال . المسألة الثانية : المراد من قوله :
لَيُضِلُّونَ
قيل إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة وقوله :
بِغَيْرِ عِلْمٍ
يريد ان / عمرو بن لحي اقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة والضلالة المحضة وقال الزجاج المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرونكم في إحلالها ويحتجون عليها بقولهم لما حل ما تذبحونه أنتم فبان يحل ما يذبحه اللّه أولى وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإنما يتبعون فيه الهوى والشهوة ولا بصيرة عندهم ولا علم . المسألة الثالثة دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام لان القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة والآية دلت على أن ذلك حرام .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 129 | فخر الدين الرازي