تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
لا يجب الالتفات اليه وانما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين الوجه الأول : ان اللّه قد حكم بنبوته من حيث إنه انزل اليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته فقوله :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً
يعني قل يا محمد انكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل ان يطلب غير اللّه حكما ؟ فان كل أحد يقول إن ذلك غير جائز ثم قل انه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الاعجاز . والوجه الثاني : من الأمور الدالة على نبوته اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمدا عليه الصلاة والسلام رسول حق وعلى أن القرآن كتاب حق من عند اللّه تعالى وهو المراد من قوله
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى :
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
[ الرعد : 43 ] . اما قوله تعالى في آخر الآية :
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
ففيه وجوه الأول إن هذا من باب التهييج والالهاب كقوله :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *
[ الانعام : 114 ] والثاني : التقدير فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق والثالث يجوز ان يكون قوله :
فَلا تَكُونَنَّ
خطابا لكل واحد والمعنى انه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي ان يمتري فيها أحد والرابع قيل هذا الخطاب وان كان في الظاهر للرسول الا ان المراد منه أمته . المسألة الثانية : قوله :
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
قرا ابن عامر وحفص
مُنَزَّلٌ
بالتشديد والباقون بالتخفيف والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مرارا . المسألة الثالثة : قال الواحدي :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً
الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لان الحاكم كل من يحكم واما الحكم فهو الذي لا يحكم الا بالحق والمعنى انه تعالى حكم حق لا يحكم الا بالحق فلما اظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة فاما / انه هل يظهر سائر المعجزات أم لا ؟ فلا تأثير له في هذا الباب بعد ان ثبت انه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة اظهار المعجز الواحد .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 115 ]

وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) وفيه مسائل [ في قوله تعالى
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا
] المسألة الأولى : قرا عاصم وحمزة والكسائي :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
بغير ألف على الواحد والباقون كلمات على الجمع قال أهل المعاني الكلمة والكلمات معناهما ما جاء من وعد ووعيد وثواب وعقاب فلا تبديل فيه ولا تغيير له كما قال :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
[ ق : 29 ] فمن قرا : كلمات بالجمع قال لان معناها الجمع فوجب ان يجمع في اللفظ ومن قرا على الوحدة فلانهم قالوا الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد كقولهم قال زهير في كلمته يعني قصيدته وقال قس في كلمته اي خطبته فكذلك مجموع القرآن كلمة واحدة في كونه حقا وصدقا ومعجزا .