و تفعلون ما تريدون ثم لا تموتون للحساب و الجزاء ، بيّن اللَّه تعالى انّه لو خلقهم لهذه الاشياء لكان ذلك عبثا .
«
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ »
من ان يخلق الخلق للعبث و الباطل . نظيره قوله تعالى :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً »
لم يخلقهم للعبث ، و انّما خلقهم للعبادة و اقامة او امر اللَّه عزّ و جل ، يقول اللَّه تعالى :
« وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
. و سئل بعض العلماء لم خلق اللَّه الخلق ؟ فقال : ليعبدوه فانّه يحبّ عبادة العابدين و يثيبهم على قدر افضاله لا على قدر افعالهم ، و ان كان غنيا عن عبادة خلقه و ليظهر احسانه لانّه محسن فاوجدهم ليحسن اليهم و يتفضّل عليهم فعامل بعضا بالعدل و بعضا بالفضل و خلق المؤمنين خاصة للرحمة ، قال اللَّه تعالى :
« وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً »
، و قال تعالى :
« إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ »
و لذلك خلقهم ،
و قال امير المؤمنين على ( ع ) فى خطبته : أ فحسبتم انّ الموت لا يعمكم و القبر لا يضمكم و القيامة لا تجمعكم و الربّ لا يقضى بينكم
، «
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ »
،
و عن عبد اللَّه بن مسعود انه مرّ بمصاب مبتلى فقرأ فى اذنه «
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً »
حتى ختم السورة فبوأ فقال له رسول اللَّه ( ص ) ما ذا قرأت فى اذنه ؟ فاخبره ، فقال : و الّذى نفسى بيده و لو انّ رجلا موقنا قرأها على جبل لزال .
و عن الاوزاعى قال : بلغنى انّ فى السماء الدّنيا ملكا ينادى كلّ يوم : الا ليت الخلق لم يخلقوا و يا ليتهم اذ خلقوا عرفوا ما خلقوا له و جلسوا فذكروا ما عملوا . ثم نزه اللَّه نفسه عمّا وصفه به المشركون من اتخاذ الاولاد فقال جلّ ذكره : «
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ »
الّذى لا يزول ملكه و لا يفنى سلطانه الحقّ بنعوت جلاله متوحد ، فى عز آزاله و علوّ اوصافه متفرد ، فذاته حق و و صفاته حقّ و قوله صدق ، و لا يتوجه لمخلوق عليه حق ، «
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ »
يعنى السرير الحسن المرتفع ، قيل كرمه عظمته و جلالته و ارتفاعه و امتناعه من ان يملكه غيره ، و قيل كرمه رفع اللَّه ايّاه على اعناق الملائكة و كواهلهم و حفوف الملائكة