أن لا تقربه ، فتحرمه على نفسك باليمين . وإنما قلنا : إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ذلك ، وحلف مع تحريمه ، كما : حدثني الحسن بن قزعة ، قال : ثنا مسلمة بن علقمة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم ، فأمر في الإيلاء بكفارة ، وقيل له في التحريم تحريم الحلال
لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
. وقوله :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره :
والله غفور يا محمد لذنوب التائبين من عباده من ذنوبهم ، وقد غفر لك تحريمك على نفسك ما أحله الله لك ، رحيم بعباده أن يعاقبهم على ما قد تابوا منه من الذنوب بعد التوبة . القول في تأويل قوله تعالى :
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
يقول تعالى ذكره : قد بين الله عز وجل لكم تحلة أيمانكم ، وحدها لكم أيها الناس
وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ
يتولاكم بنصره أيها المؤمنون
وَهُوَ الْعَلِيمُ
بمصالحكم
الْحَكِيمُ
في تدبيره إياكم ، وصرفكم فيما هو أعلم به . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى . . .
عَرَّفَ بَعْضَهُ
. . . نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
يقول تعالى ذكره :
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ
محمد صلى الله عليه وسلم
إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ
، وهو في قول ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن بن زيد والشعبي والضحاك بن مزاحم : حفصة . وقد ذكرنا الرواية في ذلك قبل . وقوله :
حَدِيثاً
والحديث الذي أسر إليها في قول هؤلاء هو قوله لمن أسر إليه ذلك من أزواجه تحريم فتاته ، أو ما حرم على نفسه مما كان الله جل ثناؤه قد أحله له ، وحلفه على ذلك وقوله : " لا تذكري ذلك لأحد " . وقوله :
فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ
يقول تعالى ذكره : فلما أخبرت بالحديث الذي أسر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبتها
وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ
يقول : وأظهر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على أنها قد أنبأت بذلك صاحبتها . وقوله :
عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار غير الكسائي :
عَرَّفَ
بتشديد الراء ، بمعنى : عرف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به ، وكان الكسائي يذكر عن الحسن البصري وأبي عبد الرحمن السلمي وقتادة ، أنهم قرءوا ذلك : " عرف " بتخفيف الراء ، بمعنى : عرف لحفصة بعض ذلك الفعل الذي فعلته من إفشائها سره ، وقد استكتمها إياه : أي غضب من ذلك عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجازاها عليه ؛ من قول القائل لمن أساء إليه : لأعرفن لك يا فلان ما فعلت ، بمعنى :
لأجازينك عليه ؛ قالوا : وجازاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من فعلها بأن طلقها . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه
عَرَّفَ بَعْضَهُ
بتشديد الراء ، بمعنى : عرف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ، يعني ما أظهره الله عليه من حديثها صاحبتها لإجماع الحجة من القراء عليه .
وقوله :
وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ
يقول : وترك أن يخبرها ببعض . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً
قوله لها : لا تذكريه
فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ
وكان كريما صلى الله عليه وسلم . وقوله :
فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ
يقول : فلما خبر حفصة نبي الله صلى الله عليه وسلم بما أظهره الله عليه من إفشائها سر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة
قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا
يقول : قالت حفصة لرسول الله : من أنبأك هذا الخبر وأخبرك به
قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
يقول تعالى ذكره : قال محمد نبي الله لحفصة : خبرني به العليم بسرائر عباده ، وضمائر قلوبهم ، الخبير بأمورهم ، الذي لا يخفى عنه شيء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن وهب ، في قوله :
فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ