تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته ، فقال الله وجل ثناؤه :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
تحريم الحلال إلى قوله
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ
فكفر يمينه ، فصير الحرام يمينا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا معتمر ، عن أبيه أبو المعتمر ، قال : أنبأنا أبو عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت حفصة ، فإذا هي ليست ثم ، فجاءته فتاته النبي صلى الله عليه وسلم ، وألقى عليها سترا ، فجاءت حفصة فقعدت على الباب حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته ، فقالت : والله لقد سئتني ، جامعتها في بيتي ، أو كما قالت ؛ قال : وحرمها النبي صلى الله عليه وسلم ، أو كما قال . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
الآية ، قال : كان حرم فتاته النبي صلى الله عليه وسلم القبطية أم ولده إبراهيم يقال لها مارية في يوم حفصة ، وأسر ذلك إليها ، فأطلعت عليه عائشة ، وكانتا تظاهران على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فأحل الله له ما حرم على نفسه ، فأمر أن يكفر عن يمينه ، وعوتب في ذلك ، فقال :
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قال قتادة : وكان الحسن يقول حرمها عليه ، فجعل الله فيها كفارة يمين . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور عن معمر ، عن قتادة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها يعني جاريته ، فكانت يمينا تحريم الحلال . حدثنا سعيد بن يحيى ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : من المرأتان ؟ قال : عائشة ، وحفصة . وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية ، أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها ، فوجدته حفصة ، فقالت : يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك بمثله في يومي وفي دوري ، وعلى فراشي ؛ قال : " ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها ؟ " قالت : بلى ، فحرمها ، وقال : ولا تذكري ذلك لأحد " ، فذكرته لعائشة ، فأظهره الله عز وجل عليه ، فأنزل الله
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ
تحريم الحلال الآيات كلها ، فبلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كفر يمينه ، وأصاب جاريته . وقال آخرون : كان ذلك شرابا يشربه ، كان يعجبه ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا داود ، قال : ثنا شعبة ، عن قيس بن مسلم ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال : نزلت هذه الآية في شراب
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ
. حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا أبو قطن البغدادي عمرو بن الهيثم ، قال : ثنا شعبة ، عن قيس بن مسلم ، عن عبد الله بن شداد مثله . حدثنا ابن المثني قال : ثنا أبو قطن ، قال : ثنا يزيد بن إبراهيم ، عن ابن أبي مليكة ، قال : نزلت في شراب . والصواب من القول في ذلك أن يقال : كان الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه شيئا كان الله قد أحله له ، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته ، وجائز أن يكون كان شرابا من الأشربة ، وجائز أن يكون كان غير ذلك ، غير أنه أي ذلك كان ، فإنه كان تحريم شئ كان له حلالا ، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله ، وبين له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرم على نفسه . تحريم الحلال فإن قائل قائل : وما برهانك على أنه صلى الله عليه وسلم كان حلف مع تحريمه ما حرم ، فقد علمت قول من قال : لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك غير التحريم ، وأن التحريم هو اليمين ؟ قيل : البرهان على ذلك واضح ، وهو أنه لا يعقل في لغة عربية ولا عجمية أن قول القائل لجاريته ، أو لطعام أو شراب ، هذا علي حرام يمين ، فإذا كان ذلك غير معقول ، فمعلوم أن اليمين غير قول القائل للشيء الحلال له : هو علي حرام . وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلنا ، وفسد ما خالفه ، وبعد ، فجائز أن يكون تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ما حرم على نفسه من الحلال الذي كان الله تعالى ذكره ، أحله له بيمين ، فيكون قوله
لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ
معنا : لم تحلف على الشيء الذي قد أحله الله
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102 | محمد بن جرير الطبري