عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا حفص ، بن عمر ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، في قوله :
مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
قال : لم يحلب ، وخفضت اللذة على النعت للخمر ، ولو جاءت رفعا على النعت للأنهار جاز ، أو نصبا على يتلذذ بها لذة ، كما يقال : هذا لك هبة كان جائزا ؛ فأما القراءة فلا أستجيزها فيها إلا خفضا لإجماع الحجة من القراء عليها . وقوله :
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
يقول : وفيها أنهار من عسل قد صفي من القذى ، وما يكون في عسل أهل الدنيا قبل التصفية ، إنما أعلم تعالى ذكره عباده بوصفه ذلك العسل بأنه مصفى أنه خلق في الأنهار ابتداء سائلا جاريا سيل الماء واللبن المخلوقين فيها ، فهو من أجل ذلك مصفى ، قد صفاه الله من الأقذاء التي تكون في عسل أهل الدنيا الذي لا يصفو من الأقذاء إلا بعد التصفية ، لأنه كان في شمع فصفي منه . وقوله :
وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
يقول تعالى ذكره : ولهؤلاء المتقين في هذه الجنة من هذه الأنهار التي ذكرنا من جميع الثمرات التي تكون على الأشجار
وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
يقول : وعفو من الله لهم عن ذنوبهم التي أذنبوها في الدنيا ، ثم تابوا منها ، وصفح منه لهم عن العقوبة عليها . وقوله :
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
يقول تعالى ذكره : أمن هو في هذه الجنة التي صفتها ما وصفنا ، كمن هو خالد في النار . وابتدئ الكلام بصفة الجنة ، فقيل : مثل الجنة التي وعد المتقون ، ولم يقل : أمن هو في الجنة . ثم قيل بعد انقضاء الخبر عن الجنة وصفتها
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
وإنما قيل ذلك كذلك ، استغناء بمعرفة السامع معنى الكلام ، ولدلالة قوله :
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
على معنى قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
وقوله :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً
يقول تعالى ذكره : وسقي هؤلاء الذين هم خلود في النار ماء قد انتهى حره فقطع ذلك الماء من شدة حره أمعاءهم . كما : حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا حيوة بن شريح الحمصي ، قال : ثنا بقية ، عن صفوان بن عمرو ، قال : ثني عبيد الله بن بشر ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ
قال : " يقرب إليه فيتكرهه ، فإذا أدنى منه شوى وجهه ، ووقعت فروة رأسه ، فإذا شرب قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره " . قال : يقول الله
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً ، فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
يقول الله عز وجل
يَشْوِي الْوُجُوهَ ، بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ . . .
طَبَعَ اللَّهُ عَلى
. . . أَهْواءَهُمْ
يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء الكفار يا محمد
مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
وهو المنافق ، فيستمع ما تقول فلا يعيه ولا يفهمه ، تهاونا منه بما تتلو عليه من كتاب ربك ، تغافلا عما تقوله ، وتدعو إليه من الإيمان ،
حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ
قالوا إعلاما منهم لمن حضر معهم مجلسك من أهل العلم بكتاب الله ، وتلاوتك عليهم ما تلوت ، وقيلك لهم ما قلت إنهم لن يصغوا أسماعهم لقولك وتلاوتك
ما ذا قالَ
لنا محمد
آنِفاً
؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ
هؤلاء المنافقون ، دخل رجلان : رجل ممن عقل عن الله وانتفع بما سمع ورجل لم يعقل عن الله ، فلم ينتفع بما سمع ، كان يقال : الناس ثلاثة : فسامع عامل ، وسامع غافل ، وسامع تارك .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
قال : هم المنافقون . وكان يقال : الناس ثلاثة : سامع فعامل ، وسامع فغافل ، وسامع فتارك . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، قال : ثنا شريك ، عن عثمان أبي اليقظان ، عن يحيى بن الجزار ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله :
حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً
قال ابن عباس : أنا منهم ، وقد سئلت فيمن سئل . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد