تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
قريته مكة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن حبيش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، لما خرج من مكة إلى الغار ، أراه قال : التفت إلى مكة ، فقال : " أنت أحب بلاد الله إلى الله ، وأنت أحب بلاد الله إلي ، فلو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك ، فأعتى الأعداء من عتا على الله في حرمه ، أو قتل غير قاتله ، أو قتل بذحول الجاهلية " ، فأنزل الله تبارك وتعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ
وقال جل ثناؤه : أخرجتك ، فأخرج الخبر عن القرية ، فلذلك أنث ، ثم قال : أهلكناهم ، لأن المعنى في قوله أخرجتك ، ما وصفت من أنه أريد به أهل القرية ، فأخرج الخبر مرة على اللفظ ، ومرة على المعنى وقوله :
فَلا ناصِرَ لَهُمْ
فيه وجهان من التأويل : أحدهما أن يكون معناه ، وإن كان قد نصب الناصر بالتبرئة ، فلم يكن لهم ناصر ، وذلك أن العرب قد تضمر كان أحيانا في مثل هذا . والآخر أن يكون معناه : فلا ناصر لهم الآن من عذاب الله ينصرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
يقول تعالى ذكره :
أَ فَمَنْ كانَ
على برهان وحجة وبيان
مِنْ
أمر
رَبِّهِ
والعلم بوحدانيته ، فهو يعبده على بصيرة منه ، بأن له ربا يجازيه على طاعته إياه الجنة ، وعلى إساءته ومعصيته إياه النار ،
كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
يقول : كمن حسن له الشيطان قبيح عمله وسيئه ، فأراه جميلا ، فهو على العمل به مقيم ،
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
يقول : واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم من معصية الله ، وعبادة الأوثان من غير أن يكون عندهم بما يعملون من ذلك برهان وحجة . وقيل : إن الذي عني بقوله :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
نبينا عليه الصلاة والسلام ، وإن الذي عني بقوله :
كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
هم المشركون . القول في تأويل قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ . . .
مِنْ لَبَنٍ
. . . وَمَغْفِرَةٌ
. . . أَمْعاءَهُمْ
يقول تعالى ذكره : صفة الجنة التي وعدها المتقون ، وهم الذين اتقوا في الدنيا عقابه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه
فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
يقول تعالى ذكره في هذه الجنة التي : ذكرها أنهار من ماء غير متغير الريح ، يقال منه : قد أسن ماء هذه البئر : إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت ، فهو يأسن أسنا ، وكذلك يقال للرجل إذا أصابته ريح منتنة : قد أسن فهو يأسن . وأما إذا أجن الماء وتغير ، فإنه يقال له : أسن فهو يأسن ، ويأسن أسونا ، وماء أسن . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله
مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
يقول : غير متغير . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
قال : من ماء غير منتن . حدثني عيسى بن عمرو ، قال : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، قال : ثنا مصعب بن سلام ، عن سعد بن طريف ، قال : سألت أبا إسحاق عن
ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
قال : سألت عنها الحرث ، فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم ، قال : بلغني أنه لا تمسه يد ، وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل في فيه . وقوله :
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
يقول تعالى ذكره : وفيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع ، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار ، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه . وقوله :
وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
يقول : وفيها أنهار من خمر لذة للشاربين يلتذون بشربها . كما : حدثني عيسى ، قال : ثنا . إبراهيم بن محمد ، قال : ثنا مصعب ، عن سعد بن طريف ، قال : سألت عنها الحرث ، فقال : لم تدسه المجوس ، ولم ينفخ فيه الشيطان ، ولم تؤذها شمس ، ولكنها فوحاء ، قال : قلت لعكرمة : ما الفوحاء : قال : الصفراء . وكما : حدثني سعد بن
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 31 | محمد بن جرير الطبري