في قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ
إلى آخر الآية ، قال : هؤلاء المنافقون ، والذين أوتوا العلم : الصحابة رضي الله عنهم . وقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
يقول تعالى ذكره :
هؤلاء الذين هذه صفتهم هم القوم الذين ختم الله على قلوبهم ، فهم لا يهتدون للحق الذي بعث الله به رسوله عليه الصلاة والسلام
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
يقول : ورفضوا أمر الله ، واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم ، فهم لا يرجعون مما هم عليه إلى حقيقة ولا برهان ، وسوى جل ثناؤه بين صفة هؤلاء المنافقين وبين المشركين ، في أن جميعهم إنما يتبعون فيما هم عليه من فراقهم دين الله ، الذي ابتعث به محمدا صلى الله عليه وسلم أهواءهم ، فقال في هؤلاء المنافقين :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
وقال في أهل الكفر به من أهل الشرك ،
كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً . . .
بَغْتَةً
. . . ذِكْراهُمْ
يقول تعالى ذكره : وأما الذين وفقهم الله لاتباع الحق ، وشرح صدورهم للإيمان به وبرسوله من الذين استمعوا إليك يا محمد ، فإن ما تلوته عليهم ، وسمعوه منك
زادَهُمْ هُدىً
يقول : زادهم الله بذلك إيمانا إلى إيمانهم ، وبيانا لحقيقة ما جئتهم به من عند الله إلى البيان الذي كان عندهم . وقد ذكر أن الذي تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن ، فقال أهل النفاق منهم لأهل الإيمان ، ماذا قال آنفا ، وزاد الله أهل الهدى منهم هدى ، كان بعض ما أنزل الله من القرآن ينسخ بعض ما قد كان الحكم مضى به قبل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
قال : لما أنزل الله القرآن آمنوا به ، فكان هدى ، فلما تبين الناسخ والمنسوخ زادهم هدى . وقوله :
وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
يقول تعالى ذكره : وأعطى الله هؤلاء المهتدين تقواهم ، وذلك استعماله إياهم تقواهم إياه . وقوله :
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها
يقول تعالى ذكره : فهل ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله من أهل الكفر والنفاق إلا الساعة التي وعد الله خلقه بعثهم فيها من قبورهم أحياء ، أن تجيئهم فجأة لا يشعرون بمجيئها . والمعنى : هل ينظرون إلا الساعة ، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة . و
أَنْ
من قوله :
إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ
في موضع نصب بالرد على الساعة ، وعلى فتح الألف من
أَنْ تَأْتِيَهُمْ
ونصب
تَأْتِيَهُمْ
بها قراءة أهل الكوفة . وقد : حدثت عن الفراء ، قال : حدثني أبو جعفر الرؤاسي ، قال : قلت لأبي عمرو بن العلاء : ما هذه الفاء التي في قوله :
فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها
قال : جواب الجزاء ، قال : قلت : إنها إن تأتيهم ، قال : فقال : معاذ الله ، إنما هي " إن تأتهم " ؛ قال الفراء : فظننت أنه أخذها عن أهل مكة ، لأنه عليهم قرأ ، قال الفراء : وهي أيضا في بعض مصاحف الكوفيين بسنة واحدة " تأتهم " ولم يقرأ بها أحد منهم . وتأويل الكلام على قراءة من قرأ ذلك بكسر ألف " إن " وجزم " تأتهم " فهل ينظرون إلا الساعة ؟ فيحمل الخبر عن انتظار هؤلاء الكفار الساعة متناهيا عند قوله :
إِلَّا السَّاعَةَ
، ثم يبتدأ الكلام فيقال : إن تأتهم الساعة بغتة فقد جاء أشراطها ، فتكون الفاء من قوله :
فَقَدْ جاءَ
بجواب الجزاء . وقوله :
فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها
يقول : فقد جاء هؤلاء الكافرين بالله الساعة وأدلتها ومقدماتها ، وواحد الأشراط : شرط ، كما قال جرير :
ترى شرط المعزى مهور نسائهم * وفي شرط المعزى لهن مهور
ويروى : " ترى قذم المعزى " ، يقال منه : أشرط فلان نفسه : إذا علمها بعلامة ، كما قال أوس بن حجر :
فأشرط فيها نفسه وهو معصم * وألقى بأسباب له وتوكلا