تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
قال : نعم ، الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، قال : ثني أخي عيسى بن عبد الله بن ثابت الثمالي ، عن ابن عباس ، قال : " إن الله خلق النون وهي الدواة ، وخلق القلم ، فقال : اكتب ، قال : ما أكتب ، قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول ، بر أو فجور ، أو رزق مقسوم ، حلال أو حرام ، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ، ومقامه فيها كم ، وخروجه منه كيف ، ثم جعل على العباد حفظة ، وعلى الكتاب خزانا ، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم ، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر ، وانقضى الأجل ، أنت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم ، فتقول لهم الخزنة : ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا ، فترجع الحفظة ، فيجدونهم قد ماتوا ، قال : فقال ابن عباس : ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون :
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
قال : الكتاب : الذكر
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
قال : نستنسخ الأعمال . وقال آخرون في ذلك ما : حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا النضر بن إسماعيل ، عن أبي سنان الشيباني ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إن لله ملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم . وقوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ
يقول تعالى ذكره : فأما الذين آمنوا بالله في الدنيا فوحدوه ، ولم يشركوا به شيئا ، وعملوا الصالحات : يقول : وعملوا بما أمرهم الله به ، وانتهوا عما نهاهم الله عنه
فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ
يعني في جنته برحمته . وقوله :
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
يقول : دخولهم في رحمة الله يومئذ هو الظفر بما كانوا يطلبونه ، وإدراك ما كانوا يسعون في الدنيا له ، المبين غايتهم فيها ، أنه هو الفوز . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي . . .
قَوْماً مُجْرِمِينَ
يقول تعالى ذكره : وأما الذين جحدوا وحدانية الله ، وأبوا إفراده في الدنيا بالألوهة ، فيقال لهم : ألم تكن آياتي في الدنيا تتلى عليكم . فإن قال قائل : أو ليست أما تجاب بالفاء ، فأين هي ؟ فإن الجواب أن يقال : هي الفاء التي في قوله
أَ فَلَمْ
. وإنما وجه الكلام في العربية لو نطق به على بيانه ، وأصله أن يقال : واما الذين كفروا ، فألم تكن آياتي تتلى عليكم ، لأن معنى الكلام : وأما الذين كفروا فيقال لهم ألم ، فموضع الفاء في ابتداء المحذوف الذي هو مطلوب في الكلام ، فلما حذفت يقال : وجاءت ألف استفهام ، حكمها أن تكون مبتدأة بها ، ابتدئ بها ، وجعلت الفاء بعدها ، وقد تسقط العرب الفاء التي هي جواب " أما " في مثل هذا الموضع أحيانا إذا أسقطوا الفعل الذي هو في محل جواب أما كما قال جل ثناؤه
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
فحذفت الفاء ، إذ كان الفعل الذي هو في جواب أما محذوفا ، وهو فيقال ، وذلك أن معنى الكلام : فأما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم : أكفرتم ، فلما أسقطت ، يقال الذي به تتصل الفاء سقطت الفاء التي هي جواب أما . وقوله :
فَاسْتَكْبَرْتُمْ
يقول : فاستكبرتم عن استماعها والإيمان بها
وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ
يقول : وكنتم قوما تكسبون الآثام والكفر بالله ، لا تصدقون بمعاد ، ولا تؤمنون بثواب ولا عقاب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها . . .
بِمُسْتَيْقِنِينَ