تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
ما مات من خلف ابنا مثل فلان ، لأنه بحياة ذكره به ، كأنه حي غير ميت ، وقد يحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون معناه : نحيا ونموت على وجه تقديم الحياة قبل الممات ، كما يقال : قمت وقعدت ، بمعنى : قعدت وقمت ؛ والعرب تفعل ذلك في الواو خاصة إذا أرادوا الخبر عن شيئين أنهما كانا أو يكونان ، ولم تقصد الخبر عن كون أحدهما قبل الآخر ، تقدم المتأخر حدوثا على المتقدم حدوثه منهما أحيانا ، فهذا من ذلك ، لأنه لم يقصد فيه إلى الخبر عن كون الحياة قبل الممات ، فقدم ذكر الممات قبل ذكر الحياة ، إذ كان القصد إلى الخبر عن أنهم يكونون مرة أحياء وأخرى أمواتا . وقوله :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء المشركين أنهم قالوا : وما يهلكنا فيفنينا إلا مر الليالي والأيام وطول العمر ، إنكارا منهم أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم . وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله " وما يهلكنا إلا دهر يمر " . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
قال : الزمان . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
قال ذلك مشركو قريش
ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
إلا العمر . وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الشرك كانوا يقولون : الذي يهلكنا ويفنينا الدهر والزمان ، ثم يسبون ما يفنيهم ويهلكهم ، وهم يرون أنهم يسبون بذلك الدهر والزمان ، فقال الله عز وجل لهم : أنا الذي أفنيكم وأهلككم ، لا الدهر والزمان ، ولا علم لكم بذلك . ذكر الرواية بذلك عمن قاله : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كان أهل الجاهلية يقولون " : إنما يهلكنا الليل والنهار ، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا ، فقال الله في كتابه :
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
قال : " فيسبون الدهر " ، فقال الله تبارك وتعالى : " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار " . حدثنا عمران بن بكار الكلاعي ، قال : ثنا أبو روح ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال ؛ قال أبو هريرة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : يسب ابن آدم الدهر ، وأنا الدهر ، بيدي الليل والنهار " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله استقرضت عبدي فلم يعطني ، وسبني عبدي يقول : وا دهراه ، وأنا الدهر " . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الزهري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله قال : لا يقولن أحدكم : يا خيبة الدهر ، فإني أنا الدهر ، أقلب ليله ونهاره ، وإذا شئت قبضتهما " . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن هشام ، عن أبي هريرة قال : " لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر " .
وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
يقول تعالى ذكره : وما لهؤلاء المشركين القائلين : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، وما يهلكنا إلا الدهر ، بما يقولون من ذلك من علم : يعني من يقين علم ، لأنهم يقولون ذلك تخرصا