تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
يقول : وإن الظالمين بعضهم أنصار بعض ، وأعوانهم على الإيمان بالله وأهل طاعته .
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ
يقول تعالى ذكره : والله يلي من اتقاه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه بكفايته ، ودفاع من أراده بسوء ، يقول جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام فكن من المتقين ، يكفك الله ما بغاك وكادك به هؤلاء المشركون ، فإنه ولي من اتقاه ، ولا يعظم عليك خلاف من خالف أمره وإن كثر عددهم ، لأنهم لن يضروك ما كان الله وليك وناصرك . القول في تأويل قوله تعالى :
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . . .
وَعَمِلُوا
. . . ما يَحْكُمُونَ
يقول تعالى ذكره
هذا
الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد
بَصائِرُ لِلنَّاسِ
يبصرون به الحق من الباطل ، ويعرفون به سبيل الرشاد ، والبصائر : جمع بصيرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
قال : القرآن . قال : هذا كله إنما هو في القلب . قال : والسمع والبصر في القلب . وقرأ
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
وليس ببصر الدنيا ولا بسمعها . وقوله :
وَهُدىً
يقول : ورشاد
وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
بحقيقة صحة هذا القرآن ، وأنه تنزيل من الله العزيز الحكيم . وخص جل ثناؤه الموقنين بأنه لهم بصائر وهدى ورحمة ، لأنهم الذين انتفعوا به دون من كذب به من أهل الكفر ، فكان عليه عمى وله حزنا . وقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
يقول تعالى ذكره : أم ظن الذين اجترحوا السيئات من الأعمال في الدنيا ، وكذبوا رسل الله ، وخالفوا أمر ربهم ، وعبدوا غيره ، أن نجعلهم في الآخرة ، كالذين آمنوا بالله وصدقوا رسله وعملوا الصالحات ، فأطاعوا الله ، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الأنداد والآلهة ، كلا ما كان الله ليفعل ذلك ، لقد ميز بين الفريقين ، فجعل حزب الإيمان في الجنة ، وحزب الكفر في السعير . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
الآية ، لعمري لقد تفرق القوم في الدنيا ، وتفرقوا عند الموت ، فتباينوا في المصير . وقوله :
سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
سَواءً
فقرأت ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة " سواء " بالرفع ، على أن الخبر متناه عندهم عند قوله :
كَالَّذِينَ آمَنُوا
وجعلوا خبر قوله :
أَنْ نَجْعَلَهُمْ
قوله :
كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، ثم ابتدءوا الخبر عن استواء حال محيا المؤمن ومماته ، ومحيا الكافر ومماته ، فرفعوا قوله : " سواء " على وجه الابتداء بهذا المعنى ، وإلى هذا المعنى وجه تأويل ذلك جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : " سواء محياهم ومماتهم " قال : المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن ، والكافر في الدنيا والآخرة كافر . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا حسين ، عن شيبان ، عن ليث ، في قوله : " سواء محياهم ومماتهم " قال : بعث المؤمن مؤمنا حيا وميتا ، والكافر كافرا حيا وميتا . وقد يحتمل الكلام إذا قرئ سواء رفعا وجها آخر غير هذا المعنى الذي ذكرناه عن مجاهد وليث ، وهو أن يوجه إلى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم والمؤمنين سواء في الحياة والموت ، بمعنى : أنهم لا يستوون ، ثم يرفع سواء على هذا المعنى ، إذ كان لا ينصرف ، كما يقال : مررت برجل خير منك أبوه ، وحسبك أخوه ، فرفع حسبك ، وخير إذ كانا في مذهب الأسماء ، ولو وقع